الزمن لا يظلم، ولا يقسو، ولا يجوع طفلًا، ولا يحرم روحًا من الأمان.
الذي يفعل ذلك هو الإنسان، حين يخلع عنه كل ما هو جميل، ويختار الأنانية، والطمع، وقلة الدين، وضميرًا لا يرى إلا نفسه.
القسوة التي نراها اليوم لم تهبط فجأة، ولم تُفرض علينا قهرًا.
هي نتيجة مباشرة لقلوب قررت أن تعيش لنفسها فقط، أن ترى جرحها وحده، وغضبها وحده، وكرامتها المزعومة وحدها، حتى لو كان الثمن طفلًا بريئًا.
الانفصال، في حد ذاته، ليس جريمة.
لكن ما يحدث بعده، حين يغيب الخوف من الله، وتختفي الرحمة، ويتحول الطفل إلى وسيلة، هنا تبدأ الجريمة الحقيقية.
حين ينفصل أب وأم بلا سبب قهري، لا موت، لا خطر، لا استحالة عِشرة، بل فقط لأن كل طرف أراد نفسه، راحته، نزواته، كبرياءه، فليعلموا أن أول ضحية ليست العلاقة، بل الطفل.
طفل يُنتزع منه الأمان فجأة.
بيت كان ملاذًا، يتحول إلى ساحة صراع.
أب مشغول بإثبات ذاته.
وأم غارقة في جرحها.
والطفل في المنتصف، بلا درع، بلا صوت، بلا ذنب.
هنا لا فرق بين أب وأم.
كلاهما مسؤول.
كلاهما محاسب.
من يرى الطفل عبئًا، أو أداة ضغط، أو وسيلة انتقام، فقد خلع عنه صفة الرحمة، أيًا كان موقعه.
القسوة ليست دائمًا ضربًا.
أحيانًا تكون إهمالًا طويلًا.
حرمانًا متعمدًا.
تجاهلًا باردًا.
جوعًا صامتًا.
عزلة ممتدة.
وفي واحدة من القصص التي هزّت القلوب، طفلة تُركت رهينة لصراع الكبار.
عام كامل بلا غذاء كافٍ، بلا شرب، بلا رعاية.
بيت بلا رحمة.
أب اختار الانتقام بدل الأمانة.
وقلب استطاع أن يرى طفلة تذبل ولا يتحرك.
لا اسم هنا.
لأن الاسم ليس القضية.
القضية أن هذا الفعل لم يكن حادثًا غامضًا، بل نتيجة طبيعية لقلب قرر أن يطفئ نور الدين، وأن يسكت صوت الضمير.
أي أب، أي أم، يرى طفلًا يجوع ليعاقب طرفًا آخر، لم يخطئ فقط في التربية، بل سقط أخلاقيًا وإنسانيًا.
هذا ليس غضبًا، هذا انحدار.
الدين لم يُخلق ليُرفع في الشعارات.
الأخلاق لم تُوجد للحديث فقط.
من يخلو قلبه من الرحمة، لا ينقصه قانون، بل ينقصه خوف من الحساب.
الطفل ليس مشروع انتقام.
ليس وسيلة ضغط.
ليس شاهدًا على فشل علاقة.
الطفل أمانة.
ومن يضيّع الأمانة، لا يبرر له ألم، ولا غيظ، ولا خذلان.