منوعات

فاطمة القصاص تكتب.. كيف ترسم مصر ورومانيا نموذجا للدمج الثقافي؟

فاطمة القصاص تكتب.. كيف ترسم مصر ورومانيا نموذجا للدمج الثقافي؟

في زمن تتسارع فيه التحولات المعرفية، لم تعد الثقافة ترفا نخبويا، بل أصبحت حقا أصيلا لا يكتمل إلا إذا كان متاحا للجميع دون استثناء، من هذا المنطلق، جاءت الندوة الدولية التي احتضنتها القاعة الدولية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، تحت عنوان “استراتيجيات الدمج الثقافي.. تجربة مصر – رومانيا”، كرسالة واضحة بأن دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المشهد الثقافي لم يعد خيارا، بل ضرورة وطنية وإنسانية.

الندوة، التي نظمها المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، مثلت نموذجا متقدما للتكامل بين الدبلوماسية والتشريع والتكنولوجيا، حيث اجتمعت رؤى متنوعة حول كيفية تمكين ذوي الإعاقة من النفاذ الكامل إلى المعرفة، ليس بوصفهم متلقين للدعم، بل شركاء أصيلين في بناء الوعي المجتمعي.

وفي كلمتها التي عكست توجها استراتيجيا واضحا، أكدت الدكتورة إيمان كريم، المشرف العام على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أن الدولة المصرية تضع قضية الدمج الثقافي في صدارة أولوياتها، وأشارت إلى قرب إطلاق الاستراتيجية الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقة، باعتبارها نقلة نوعية ستترجم الحقوق الدستورية والقانونية إلى واقع ملموس داخل المكتبات ودور الثقافة، بما يعزز من مكانة مصر إقليميا ودوليا في هذا الملف الإنساني بالغ الأهمية.

ومن زاوية التعاون الدولي، عبرت السفيرة أوليفيا توديران، سفيرة رومانيا بالقاهرة، عن اعتزازها بالشراكة مع المجلس، مؤكدة أن التجربة الرومانية تنطلق من مبدأ راسخ مفاده أن التمكين الحقيقي يبدأ منذ الطفولة، عبر تهيئة البيئة التعليمية والثقافية لتكون دامجة ومتاحة للجميع، وأوضحت أن التبادل الثقافي بين القاهرة وبوخارست يفتح آفاقا واعدة لتطوير أدوات الإتاحة وتبادل الخبرات.

وعلى صعيد التكنولوجيا، قدمت الدكتورة نيفين مكرم، الأستاذة بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة السادات، رؤية عملية لدور الذكاء الاصطناعي في إزالة الحواجز أمام القراءة والاطلاع، وأكدت أن الحلول الرقمية وتطبيقات الهواتف الذكية أصبحت من أقوى أدوات الدمج، وأن الرقمنة تمثل الطريق الأسرع لتحقيق العدالة الثقافية وتجاوز القيود الجغرافية والبدنية.

أما البعد التشريعي والثقافي، فقد سلطت عليه الضوء الكاتبة الدكتورة ضحى عاصي، عضو مجلس النواب، مؤكدة أهمية الدور الرقابي للبرلمان في ضمان تفعيل القوانين الداعمة لذوي الإعاقة، كما دعت المثقفين والأدباء إلى تبني قضايا ذوي الهمم بشكل أعمق، مشددة على أن تغيير الثقافة المجتمعية وقبول الآخر هو الأساس الحقيقي لإنجاح أي سياسات أو تقنيات حديثة.

الندوة، التي أدارتها الكاتبة رشا عبد المنعم، المستشار الثقافي للمجلس، شهدت أيضا مداخلة مهمة للأستاذ فريد زهران، رئيس اتحاد الناشرين المصريين، الذي استعرض جهود الاتحاد في تدريب دور النشر على إنتاج الكتب بصيغ ميسرة، سواء الصوتية أو بطريقة برايل، بما يسهم في توسيع دائرة المستفيدين من المنتج الثقافي.

كما تم تسليط الضوء على الإطار القانوني الدولي، لاسيما معاهدة مراكش، التي تتيح تيسير النفاذ إلى المصنفات المنشورة لفائدة المكفوفين ومعاقي القراءة، وأكد المشاركون ضرورة تحقيق التوازن بين حقوق المؤلف وحق الأشخاص ذوي الإعاقة في الحصول على نسخ ميسرة، من خلال تفعيل الاستثناءات القانونية التي تسمح بتحويل الكتب إلى صيغ برايل أو صوتية دون تعقيدات، دعماً لمفهوم العدالة المعرفية.

وخرجت الندوة بعدد من التوصيات الجوهرية، أبرزها تفعيل استثناءات الملكية الفكرية بالتعاون مع الجهات المتخصصة، والتوسع في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل أجنحة معرض الكتاب، وتعزيز تبادل الخبرات بين مصر ورومانيا في مجال تكنولوجيات الإتاحة، إلى جانب تقديم حوافز لدور النشر الملتزمة بمعايير الإتاحة في إصداراتها.

إن ما شهدته هذه الندوة يؤكد أن التعاون الدولي والوعي التقني، إلى جانب الإرادة السياسية، يمثلون الركائز الأساسية لتجاوز التحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة في رحلتهم نحو المعرفة، كما يثبت أن تكاتف جهود مؤسسات الدولة والشركاء الدوليين والخبراء هو السبيل الوحيد لبناء مشهد ثقافي شامل لا يقصي أحدا، ويجعل من معرض القاهرة الدولي للكتاب منصة حقيقية للتنوير المتاح للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى