أخبار مصر

سلوكك مرايتك حين يغيب الرقيب… تسقط الأقنعة

سلوكك مرايتك

حين يغيب الرقيب… تسقط الأقنعة

 بقلم: د. كريم ابوعيش

من المؤسف أن كثيرين لا يعرفون معنى الالتزام إلا حين يكون هناك من يراقبهم أو يحاسبهم. فما إن تغيب الكاميرات أو يغادر المدير، حتى يتبخر الانضباط، ويتحوّل الجد إلى تهاون، وكأننا لا نحترم النظام إلا تحت عين تراقبنا أو سلطة تخيفنا.

أصبحنا نعيش في ثقافة قائمة على الخوف لا على الضمير. نخشى العقوبة أكثر مما نحترم القيم. نُتقن التمثيل في حضور المسؤول، ونرتدي قناع الالتزام أمام من يملك سلطة علينا، ثم نخلعه بمجرد أن يلتفت أحدهم في اتجاه آخر. وكأننا نمارس “الانضباط المسرحي”، لا الإخلاص الحقيقي.

الصدق في العمل ليس أن تصل في موعدك لأن المدير موجود، بل أن تلتزم لأنك تحترم نفسك قبل أن تحترم غيرك. والاحترام لا يُمنح فقط لمن يملك سلطة، بل لمن يشاركك الحياة والعمل والوقت.

لكن الواقع يقول غير ذلك: في الاجتماعات الرسمية الجميع منضبطون، أما في المواعيد الشخصية فـ”المواعيد على المزاج”، وكأن التقدير لا يُستحق إلا إذا كان هناك مصلحة أو خوف من خسارة.

هل نحتاج حقًا إلى رقابة كي نكون منضبطين؟ هل لا نتحرك إلا حين نشعر بظل سلطة فوق رؤوسنا؟ هذه ليست حياة ناضجة، بل سلوك طفولي اعتاد العصا، لا الضمير.

القيم الحقيقية لا تُقاس في حضور المدير، بل في لحظة الغياب. فحين لا يراك أحد، هنا فقط يُختبر معدنُك.

انظر حولك: ستجد موظفًا لا يتأخر دقيقة واحدة حين يكون المدير موجودًا، لكنه يتأخر نصف ساعة حين يغيب. ستجد بائعًا يلتزم بالأسعار حين يمر عليه مفتش، ثم يرفعها فور رحيله. وستجد من يحرص على الكلام المهذب أمام المسؤول، ثم يطلق لسانه بالاستعلاء على من لا يملك سلطة.

كل هذا لأننا لم نتربَّ بعد على أن النظام والاحترام قيم داخلية، لا تعليمات مؤقتة. لأننا ربطنا الالتزام بالسلطة لا بالضمير.

الاحترام الحقيقي لا يحتاج رقيبًا، والانضباط لا يحتاج كاميرا. من يحترم وقته ووعوده وواجبه في غياب الرقابة هو إنسان ناضج يعرف أن الالتزام قيمة، لا خوف. أما من يتجمّل بالالتزام في العلن ويهدمه في الخفاء، فمرآته مكسورة مهما لمع مظهره.

وفي النهاية… ليست الرقابة هي التي تخلق الاحترام، بل الأخلاق. وحين يختفي الضمير، تصبح القوانين مجرد مسكنات قصيرة المفعول.

فلا تكن مستقيمًا خوفًا من أحد، بل لأنك تختار أن تكون كذلك. لأن سلوكك، في النهاية، هو مرآتك… والمرآة لا تجامل أحدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى