أخبار مصر

حين تتقاطع الضغوط الداخلية مع حسابات الحرب في الخليج

حين تتقاطع الضغوط الداخلية مع حسابات الحرب في الخليج

بقلم : يوحنا عزمي

اللغة المستخدمة في بعض العناوين الإعلامية الإيرانية مؤخراً تعكس حالة تعبئة نفسية مقصودة ، هدفها إرسال رسالة ردع مبكرة قبل أي تحرك عسكري محتمل.

صحيفة Tehran Times استخدمت صياغات صادمة ترحب – بسخرية سوداء – بأي وجود عسكري أمريكي محتمل على الأراضي الإيرانية ، في محاولة لتثبيت فكرة أن أي إنزال بري لن يكون نزهة عسكرية ، بل بداية استنزاف طويل ومكلف.

في المقابل ، المشهد الأمريكي الداخلي يبدو مضغوطاً سياسياً بصورة غير مسبوقة ، حيث تتصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد سياسات البيت الأبيض ، ويتحول الملف الإيراني من مجرد أزمة خارجية إلى عامل ضغط داخلي يهدد الاستقرار السياسي. هذا التداخل بين الجبهة الخارجية والداخلية يجعل أي قرار عسكري محاطًا بحسابات معقدة تتجاوز الميدان إلى الشارع.

على المستوى الميداني، وصول السفينة الهجومية البرمائية USS Tripoli إلى نطاق عمليات الشرق الأوسط ليس تفصيلًا عابرًا. هذا النوع من السفن لا يُدفع إلى مناطق التوتر إلا عندما يكون هناك تصور لعمليات إنزال أو سيطرة ساحلية سريعة. طبيعة مهامها ترتبط بالقدرة على نقل آلاف من قوات المارينز والطائرات والمعدات إلى شواطئ معادية خلال ساعات. وجودها في هذا التوقيت يفتح باب التكهنات حول سيناريوهات تتعلق بالجزر الإيرانية المطلة على مضيق هرمز ، والتي تمثل عقدة جغرافية شديدة الحساسية في معادلة الطاقة العالمية.

تزامن ذلك مع تقارير نشرتها The Wall Street Journal حول تعزيزات بشرية إضافية ، واحتمال انضمام عناصر من 82nd Airborne Division المنتشرة في المنطقة، يعكس أن التحركات ليست استعراضية فقط، بل تدخل في نطاق الجاهزية العملياتية. هذا النوع من الحشد لا يُبنى عادة على رسائل ردع لفظية، بل على سيناريوهات قيد الدراسة.

لكن المشكلة أن أي قراءة عسكرية بحتة تتجاهل عنصرًا بالغ الخطورة : طبيعة المسرح الجغرافي الإيراني. الجزر، والمضائق، والسواحل الضيقة، والزوارق السريعة، والصواريخ الساحلية، كلها أدوات تمنح المدافع أفضلية تكتيكية في حرب غير متكافئة. لذلك فإن فكرة الإنزال البحري، رغم تفوقها النظري، قد تتحول عملياً إلى كمين مفتوح في بيئة صُممت أساسًا لاستنزاف القوة المهاجمة.

في الوقت ذاته، التصريحات السياسية المتوترة تضيف طبقة أخرى من التعقيد. الحديث المنسوب للرئيس الأمريكي حول أضرار لحقت بحاملة الطائرات USS Abraham Lincoln – في حال صحته – يمثل إحراجًا مؤسسيًا للمؤسسة العسكرية التي تحرص دائمًا على إدارة المعلومات بحذر شديد في أوقات الأزمات. مثل هذه التصريحات ، سواء كانت دقيقة أو مبالغاً فيها ، تؤثر مباشرة على صورة الردع الأمريكي عالميًا.

أما على مستوى العلاقات مع الحلفاء ، فإن أي إساءة لفظية أو ضغط علني تجاه شخصية بحجم Mohammed bin Salman تخلق توتراً دبلوماسياً في لحظة تحتاج فيها واشنطن إلى أقصى درجات التنسيق مع شركائها الإقليميين. إدارة التحالفات في زمن الأزمات لا تقل أهمية عن إدارة المعركة نفسها.

إقليمياً ، لا يمكن عزل ما يجري عن تهديدات موازية في البحر الأحمر وباب المندب ، واحتمالات توسع دائرة الاشتباك عبر أطراف أخرى. إغلاق مضيقين بحريين في وقت واحد – هرمز وباب المندب – ليس مجرد سيناريو عسكري ، بل زلزال اقتصادي عالمي ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

المحصلة أن المنطقة تقف أمام لحظة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع حسابات الهيبة السياسية ، والضغط الشعبي الداخلي، والاستعدادات العسكرية، والجغرافيا المعقدة، والتحالفات الإقليمية. أي خطأ في التقدير قد يحول محاولة استعراض قوة إلى انزلاق واسع النطاق يصعب احتواؤه. وفي مثل هذه اللحظات ، تصبح الكلمة والتصريح والرمزية أحيانًا أخطر من الصاروخ نفسه، لأنهما قد يدفعان الأطراف إلى زوايا لا تترك مساحة للتراجع الهادئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى