أخبار مصر

لماذا لا يريدون إسقاط إيران؟

لماذا لا يريدون إسقاط إيران؟

بقلم : يوحنا عزمي

لا أحد يريد إسقاط إيران لأنها دولة دينية ، ولو كان الدين تهمة كافية لكانت نصف عواصم العالم قد سُويت بالأرض منذ زمن ، ولا أحد يريد إسقاطها لأنها تقمع شعبها ، فالعالم الذي يبيع السلاح لمن يجلد البشر ويعتقلهم لا يستيقظ ضميره فجأة على امرأة إيرانية خلعت حجابها ، ولا أحد يريد إسقاطها لأنها شيعية ، فالمذهب لم يكن يوماً معياراً في بورصة المصالح ولا بنداً حاسماً في عقود الدم والنفط.

الحقيقة أبسط وأكثر قسوة : يريدون كسرها لأنها خرجت عن النص ، لا النص الديني ، بل النص الدولي المكتوب بالحبر غير المرئي ، ذلك النص الذي يقول : كن دولة بلا إرادة ، امتلك حدوداً بلا قرار ، صدر نفطك لا أفكارك ، ادفع ثمن حمايتك ولا تفكر يوماً في أن تحمي نفسك بنفسك.

إيران ، منذ الدولة الصفوية مروراً بالخميني وصولًا إلى خامنئي، ارتكبت في منطق الإمبراطوريات الخطيئة الكبرى. لم تكتف بأن تكون دولة سلاح ، ولم ترض بأن تكون مجرد دولة معنى ، بل حاولت أن تجمع الاثنين معاً. أرادت أن تمتلك القوة والرواية في

آن واحد ، والغرب لا يخاف من دول ضعيفة ولا من دول فاسدة ، بل يخاف من دول تعتقد أنها تملك سردية. السردية أخطر من الصاروخ ، لأن الدولة التي تملك قصة تستطيع أن تقنع شعبها بالصبر ، وأن تُربك خصومها ، وأن تفاوض من موقع من لا يطلب الإذن.

حين كانت إيران شرطي الخليج لم تكن خطراً ، وحين كان

الشاه يبتسم في صور البيت الأبيض لم تكن مشكلة ، أصبحت مشكلة فقط عندما قررت أن تقول “لا” ثم تحاول أن تعيش بعدها.

إسرائيل بدورها لا تخشى إيران لأنها ستحتل تل أبيب غداً ، فهذه حكاية استهلاكية للاستخدام الإعلامي. إسرائيل تخشى إيران لأنها ترفض أن تكون جزءاً من نظام الردع الذي تحتكره ، ولأنها الدولة الوحيدة في الإقليم التي تملك جرأة قول إن التفوق الإسرائيلي ليس قدراً إلهياً ، بل معادلة سياسية يمكن كسرها أو على الأقل إزعاجها. وجود إيران قوية ، حتى لو لم تطلق رصاصة واحدة، يكسر فكرة أن الشرق الأوسط مجرد حديقة خلفية بلا أسوار ، وهذه الفكرة وحدها كافية لتجعلها هدفاً دائماً.

أما الولايات المتحدة ، فهي لا تعادي إيران لأنها تكره العمائم

فقد تصالحت مع عمائم أكثر ظلامية حين خدمتها مصالحها

لكنها تعاديها لأنها نموذج غير منضبط. دولة استطاعت ، رغم الحصار ، أن تبني قوة ردع ، وأن تطور صناعات عسكرية، وأن تفاوض بلا ركوع كامل.

هذا النموذج خطير لأنه يغري الآخرين بالسؤال : لماذا لا نجرب؟ والنظام الدولي لا يخاف من إيران كدولة ، بل من أن تتحول إيران إلى سابقة تُكسر بها القاعدة.

أوروبا ، في المقابل ، تمارس نفاقاً أهدأ وأقل شجاعة. تريد إيران سوقاً بلا سياسة ، ونفطاً بلا صداع ، واستقراراً بلا كلفة أخلاقية. تخاف من سقوط النظام لأنها تخاف من موجات لجوء وفوضى طاقة ، وتضغط عليه لأنها لا تريد له أن يستقر قوياً. أوروبا لا تريد إسقاط إيران ولا إنقاذها، بل تريدها معلقة، تتألم بهدوء، بلا ضجيج استراتيجي ، دولة لا تموت ولا تتعافى.

وهنا نصل إلى القذارة الحقيقية في اللعبة. الحديث عن إسقاط النظام ليس هدفاً ، بل أداة. لا أحد في مراكز القرار يريد انهيار

إيران على الطريقة الليبية ، لأن إيران ليست ليبيا. سقوطها يعني فراغاً جيوسياسياً مرعباً ، حدوداً مشتعلة ، أقليات منفلتة، نفطاً بلا حارس ، وصراعاً إقليمياً مفتوحاً. المطلوب ليس إسقاط النظام، بل إبقاؤه متعباً، مشغولاً، محاصراً، يستهلك طاقته في الداخل ويُضطر في الخارج إلى الدفاع لا المبادرة. إنها سياسة إنهاك لا سياسة حسم.

الاحتجاجات الداخلية حقيقية ، موجعة ، ومفهومة ، لكنها في الحسابات الدولية ليست ثورة شعبية بقدر ما هي ورقة ضغط.

لا أحد يمول الإعلام ويشغل المنصات لأنه يحب الإيرانيين ، بل

لأنه يريد رفع كلفة بقاء النظام. حقوق الإنسان هنا ليست قضية ، بل ذخيرة ، تُستخدم حين يخدم التوقيت وتُرمى حين تتعارض

مع صفقة. هذه ليست مؤامرة ، بل منطق مصالح بارد ، ومن لا يفهمه يُستعمل ضده.

وفي المقابل ، النظام الإيراني ليس بريئاً ولا ضحية رومانسية.

هو نظام ساهم بنفسه في صناعة أعدائه ، حين قدس السياسة، وحول الدين إلى جهاز ضبط، وفضل الإمبراطورية على المعيشة، والخطاب على الاقتصاد ، والرمز على الإنسان. حين تصبح الدولة فكرة أكبر من المواطن تبدأ في خسارته، وحين يصبح البقاء هدفًا بحد ذاته تفقد الدولة مبرر بقائها.

الفضيحة الكبرى أن الطرفين ، أعداء إيران الخارجيين وحراسها الداخليين، يلتقون عند نقطة واحدة دون أن يعترفوا : كلاهما لا يثق بالمجتمع الإيراني. الخارج يراه مادة ضغط، والداخل يراه

خطراً يجب ضبطه. وبين هذا وذاك يختنق شعب يُطلب منه أن يكون بطلاً دائماً أو صامتاً دائماً ، ولا يُسمح له أن يكون إنساناً عادياً.

إيران لن تُسقط غداً ، ولن تنتصر بعد غد. ستبقى في المنطقة الرمادية ، دولة أقوى مما ينبغي لكسرها ، ومأزومة أكثر مما ينبغي لتكون نموذجاً. السقوط ، إن حدث، لن يكون بفعل قنبلة ولا انقلاب، بل بفعل تآكل المعنى. والإنقاذ ، إن جاء ، لن يأتي من واشنطن ولا من تل أبيب ولا من أوروبا ، بل من لحظة شجاعة داخلية تعترف بأن الدولة التي لا تخدم حياة الناس لا يحميها الله ولا التاريخ.

لا أحد يريد إسقاط إيران من أجل الحرية ، ولا أحد يريد إنقاذها

من أجل العدالة. الجميع يريدها على مقاس مصلحته ، والنظام وحده يملك خياراً واحداً إن أراد النجاة : أن يتوقف عن إدارة المجتمع كغنيمة ، وعن بيع الألم كهوية ، وأن يفهم أن أخطر عدو لأي دولة ليس الخارج ،

بل اللحظة التي يكف فيها شعبها عن تصديقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى