جلد الذات وتقدير النفس:
بقلم / د. حنان حسن مصطفي
أن واحدة من أكثر المشكلات التى تدفع بالناس لزيارة العيادات النفسية وترهقهم وتشعل بالهم هى قضية ” الثقة بالنفس” أو ما احب أن أطلق عليه ” تقدير النفس”
وهل هناك فرق؟
الفرق بين الثقة بالنفس وتقدير النفس؟
مع بداية الحداثة المعاصرة،ونهضة الحضارات وتطور الإنسان، أصبح وهم الثقة بالنفس يسيطر على اغلب الناس ويشغل حيزا كبيرا من حياتهم، وانحسر تفكيرهم فى تحقيق حالة بعينها،هى ما يطلق علبه الإنسان ” السوبر مان”
وهو مصطلح ظهر مع فلسفة نيتشه الوجودية التى أراد أن يؤسس من خلالها لمفهوم القوة، ساعيا بكل جهده لتأكيد أن الإنسان الأعلى هو وحده من يستحق الحياة وأن العالم كله بما فيه من بشر ما هو إلا وسيلة لتحوق سيادة الإنسان الأعلى أو السوبر مان الذى يجب أن يكون غاية كل فرد يمتلك القوة. مقدما نموذجا مثالياً يصعب أن لم يكن يستحيل أن يتحقق فى الواقع فهو ذاك القوى بذاته الذى لا يحتاج إلى أحد ولا يتملكه الضعف ولا يصيبه اليأس .
حسنا فإذا كان هذا هو الانسان حقا فليكن ذلك إيذانا لنا بأن نثق فى أنفسنا.
ولكن هل انت كذلك حقا؟ هل تعرف اى احد يمكن أن يطلق عليه سوبرمان وفقا لهذه الرؤية؟ شخصا لا يحتاج إلى أحد ويتحكم فى نفسه طوال الوقت ولا يخطىء ابدا!!
بالطبع لا. لان هذه الحالة ضرب من ضروب الخيال .
اذا كيف لنا أن نثق تماما بتلك النفس الضعيفة والمحدودة. أن علماء النفس منذ نشأته والى اليوم يؤكدون دوما على أهمية المجتمع الداعم والبيئة الإيجابية التى تساعد الفرد على نضجه وتحقيق سوائه النفسي وراحته الاجتماعية. وإذا نظرنا فى تعريف ( الإنسان) الذى وضعه العالم العربى المسلم والمؤسس الاول لعلم الاجتماع فى العالم ” عبد الرحمن بن خلدون” فسنجد أن ابن خلدون يعرف الانسان بأنه ” كائن اجتماعى بالضرورة” ومعنى الضرورة اى أنه مضطر – رغما عنه- أن يعيش مع الناس من حوله ويتبادل معهم المصالح عن طريق التشارك؛ لحاجة كل فرد إلى من حوله وعدم قدرته عن الاستغناء عنهم، وذلك من خلال التواصل مع من حوله. وتبادل علاقات الاعتماد.
وإذا أردنا أن ننظر من الناحية الدينية لأهمية التواضع النفسي، وعدم الاغترار بالذات فسنجد أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يكثر من دعاء : ” اللهم لا تكلنى لنفسي طرفة عين” فالإنسان دوما فى حاجة إلى دعم يقوى به نفسه، وهنا يؤكد النبى العظيم على أن الإنسان السوى يستمد طاقته الروحية من الله اولا ثم ممن حوله.
ليس المقصود بالتشارك مع الآخرين وعدم الاغترار بالذات، أن ينفى الإنسان نفسه ويمحوها. بل ينبغى أن تقدر نفسك وتعطها قدرها. فإن التخلص من النرجسية لا يعنى أن يقع الإنسان فى تحقير ذاته، لان هذه الأعراض هى امراض بحد ذاتها تحتاج إلى العلاج. أن تحقيق السواء النفسي والاجتماعي اساسه تحقيق التصالح والتوافق بين الفرد وبين نفسه، وهذا ما يتفق عليه جميع علماء النفس وعلماء الاجتماع. ومن الناحية الروحية نجد الدين سابقا فى هذا المجال وذلك التوجيه، فقد جاء فى حديث النبى- صل الله عليه وسلم – ” لا يحقرن أحدكم نفسه”.
تقدير النفس واحترامها هو جزء رئيسى لتحقيق سعادة النفس ورائحتها، فأنت إذا وصفت نفسك بالاشياء القبيحة وحكمت عليها حكما قاسيا مطلقا ، فلن تحملك نفسك، ولن تستطيع أن تعطيك فوائدها. فكيف ستمدك نفسك بالقوة وانت حكمت عليها انها ضعيفه؟ أو تشعرك بقيمتك وانت تراها خالية من كل قيمة ؟!
والان اليك بعض وسائلى التى استخدمها فى الجلسات النفسية لمعالجة مثلةهذا المشكلات:
اننى اجعل الشخص يتخيل ” نفسه” جالسا امام كرسي بشرط أن يرى نفسه بعينه هو وبالطريقة التى يراها الناس بها. يفاجئنى أن كثيرا ممن أجريت عليهم هذه التجربة كان إحداهم يصف نفسه باسواء الصفات وأشد الأحكام، حتى يخيل اليك انك جالس أمام شر مخلوق فى التاريخ !
قطعا هذه الأحكام التى يصدرها الشخص الخاضع للتجربة هى احكام ذاتيه، وليست موضوعية، بمعنى أنها احكام دون أدلة ولا شواهد، فهو لم يفعل أو يقل ما يستحق عليه الاوصاف التى وصف بها نفسه، ولكن هذا من الناحية العلمية الموضوعية، ومن ناحية النظرة المنهجية. أما من ناحية الشخص ذاته فإن هذه احكام مطلقة بالنسبة إليه ولا تقبل التشكيك، رغم أنها باطلة كليا.
ولكن ما السبب وراء تلك التصرفات؟ لم يصف نفسه بتلك الاوصاف؟ هل يجد لذته فى أن يحقر من نفسه ويجلدها؟ ولعل هذه الأسئلة تنقلنا لسبب جلد الذات وقبول النفس.
زر الذهاب إلى الأعلى