منوعات

أكتوبر 73: النصر الذي حطم الأسطورة.. كيف أعادت إرادة الرئيس السادات والرئيس مبارك صياغة الشرق الأوسط

أكتوبر 73: النصر الذي حطم الأسطورة.. كيف أعادت إرادة الرئيس السادات والرئيس مبارك صياغة الشرق الأوسط

بقلم الأديب الدكتور/

عادل عبدالله علي عبده

مدرس مساعد نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي- أمين لجنة التدريب والتثقيف بحملة تحيا مصر لدعم فخامة السيد الرئيس والجيش والشرطة بمحافظة الغربية – وأمين عام الإعلام بمركز طنطا محافظة الغربية عن حزب الجبهة الوطنية

في السادس من أكتوبر من كل عام لا تحتفل مصر بذكرى نصر عسكري فحسب بل تستعيد الأمة العربية بأسرها ذكريات “حرب العزة والكرامة”.

هذه الحرب هي النقطة الفاصلة في تاريخ المنطقة التي أعادت للمصريين والعرب ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على تحدي المستحيل.

إن حرب أكتوبر 1973 هي تجسيد للإرادة السياسية والعسكرية التي قادها الرئيس الراحل محمد أنور السادات وبُني نجاحها على التخطيط الدقيق والبطولة الفردية والجماعية والتي كان لـالرئيس الراحل محمد حسني مبارك بوصفه قائداً للقوات الجوية حينها دور محوري فيها.

الرئيس السادات: بطل القرار الاستراتيجي ومهندس الخدعة الكبرى:

يمثل الرئيس أنور السادات بحق “بطل الحرب والسلام”. فقراره بخوض الحرب كان قراراً استراتيجياً جريئاً لا ينبع من قوة عسكرية خالصة بل من إدراك عميق للواقع السياسي والعسكري الذي فرضته هزيمة 1967.

لقد قام الرئيس السادات بدور محوري على عدة مستويات:

• صانع قرار الحرب والمفاجأة: عمل الرئيس السادات بذكاء على تضليل القوى الكبرى وإسرائيل مقنعاً الجميع بعدم قدرة مصر على خوض الحرب وهي “الخدعة الاستراتيجية الكبرى” التي أتاحت للقوات المسلحة المصرية والسورية تحقيق عنصر المفاجأة يوم 6 أكتوبر.

• القائد الأعلى للجيش: كان هو صاحب “القرار الاستراتيجي بإعلان العبور وضرب العدو الإسرائيلي”. فبقيادته الحكيمة تمكن الجيش المصري من اقتحام قناة السويس وتدمير خط بارليف المنيع في ساعات قليلة وهو ما وصفه الرئيس السادات نفسه لاحقاً بأنه “معجزة على أي مقياس عسكري”.

• مهندس مسار السلام: بعد النصر العسكري استخدم الرئيس السادات نتائج الحرب كنقطة قوة للانطلاق نحو السلام حيث قاد المفاوضات التي تُوجت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام عام 1979 ليحقق الهدف الاستراتيجي الأقصى للحرب وهو الاسترداد الكامل للأرض ويجنب المنطقة المزيد من الصراعات. لقد كان السلام الذي جلبه الرئيس السادات امتداداً للنصر العسكري وأساساً للشرعية الدولية.

الرئيس مبارك: قائد سلاح الجو والضربة الأولى الحاسمة

في قلب التخطيط والتنفيذ العسكري برز دور الرئيس الراحل محمد حسني مبارك بصفته قائداً للقوات الجوية خلال الحرب وهو الدور الذي كان حاسماً في إنجاح عملية العبور بأكملها:

• مهندس الضربة الجوية الأولى: تولى الرئيس مبارك قيادة سلاح الجو في لحظة حاسمة حيث كانت القوات الجوية المصرية بحاجة إلى استعادة الثقة بعد 1967.

وفي 6 أكتوبر انطلقت “الضربة الجوية المركزية” التي قادها وكانت مفتاح العبور فقد نجحت في شلّ المطارات ومراكز القيادة الإسرائيلية وكبح جماح التفوق الجوي الإسرائيلي وهو ما أتاح للقوات البرية عبور القناة وتثبيت رؤوس جسورها دون خسائر جسيمة.

• حامي ظهر القوات: لم يقتصر دوره على الضربة الافتتاحية بل لعب سلاح الجو تحت قيادته دوراً متواصلاً في تأمين غطاء جوي فعّال للقوات البرية وهو ما مكّنها من الاستمرار في القتال في بيئة كانت تعتبر إسرائيل فيها متفوقة جوياً.

• استكمال استرداد الأرض: استمر دوره الوطني بعد الحرب حيث تسلّم مقاليد الرئاسة بعد اغتيال الرئيس السادات وأكمل مسيرة استرداد سيناء حتى رفع العلم المصري على كامل شبه جزيرة سيناء في 25 أبريل 1982 ليكتمل بذلك الإنجاز الوطني الذي بدأ بقرار الحرب. ⁠

 ⁠

تكامل الأبطال: المشاة والمدفعية وسلاح المهندسين

إن النصر في أكتوبر لم يكن حكراً على سلاحين بل هو نتاج “تكامل القوات” و”التخطيط المشترك”. فبمجرد انتهاء الضربة الجوية الأولى انطلقت أذرع المعركة الأخرى لتنفيذ مهامها المستحيلة:

• سلاح المشاة: كان هو قلب عملية العبور فبالروح القتالية والإيمان اقتحم جنود المشاة القناة واشتبكوا وجهاً لوجه مع النقاط الحصينة لخط بارليف.

• سلاح المهندسين العسكريين: هم أصحاب العبقرية الهندسية في تحطيم الساتر الترابي الإسرائيلي عبر استخدام مضخات المياه وهو إنجاز مذهل على المستوى التكتيكي سمح بمد الجسور والكباري العائمة بسرعة قياسية لعبور الدبابات والمعدات الثقيلة.

• المدفعية والدفاع الجوي: قامت حائط الصواريخ بتأمين سماء المعركة ضد الطيران الإسرائيلي في الأيام الحاسمة الأولى بينما أمطرت المدفعية تحصينات العدو بنيران كثيفة لإخمادها ما مهد الطريق للمدرعات للانتشار في عمق سيناء وتثبيت رؤوس الجسور. كل سلاح أدى دوره ببراعة فائقة ليتحقق الهدف المشترك. ⁠

التضامن العربي: عمق استراتيجي في المعركة:

إن حرب أكتوبر كانت نموذجاً فريداً للعمل العربي المشترك الذي لم يقتصر على الجبهة السورية-المصرية.

لقد قدمت الدول العربية الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي الذي شكل عمقاً استراتيجياً للعملية العسكرية:

• الدعم العسكري المباشر: شاركت قوات من عدة دول عربية على الجبهتين المصرية والسورية ومنها الجزائر والمغرب والأردن والسعودية والكويت والسودان والعراق.

هذا التواجد العسكري المشترك عزز من قوة الجبهة وأكد أن القرار كان قرار أمة.

• سلاح النفط: كان القرار الأكثر تأثيراً هو استخدام سلاح النفط من قِبَل الدول العربية المُنتجة حيث تم تخفيض إنتاج النفط ووقف تصديره للدول الداعمة لإسرائيل. هذا الضغط الاقتصادي العالمي كان له أثر هائل على السياسة الدولية وأجبر القوى الكبرى على الانخراط بجدية أكبر في البحث عن حل للصراع.

• الدعم المالي: وفرت دول الخليج العربي الدعم المالي الهائل لتمويل المجهود الحربي وشراء المعدات ما مكن مصر وسوريا من الصمود واستدامة القتال. لقد أثبتت حرب أكتوبر أن التضامن العربي هو قوة لا يستهان بها عندما تتوحد الإرادة خلف هدف واحد.

الاتحاد السوفييتي: جسر الإمداد وشركاء التحدي

في ظل ظروف الحرب الباردة كان الاتحاد السوفييتي هو الحليف الاستراتيجي الرئيسي الذي مكّن مصر وسوريا من بناء جيوشهما وتجهيزها للمعركة.

فعلى الرغم من تعقيدات العلاقة مع الرئيس السادات قبيل الحرب إلا أن الدعم السوفييتي كان حاسماً:

• جسر الإمداد الجوي والبحري: فور اندلاع الحرب أقام الاتحاد السوفييتي جسراً جوياً وبحرياً ضخماً لإمداد الجبهتين المصرية والسورية بالأسلحة والذخائر والوقود. كانت هذه الإمدادات العاجلة ضرورية لتعويض الخسائر واستمرار زخم الهجوم في مواجهة الدعم الأمريكي لإسرائيل.

• تجهيز منظومة الدفاع الجوي: السوفييت هم من زودوا مصر بمنظومات صواريخ الدفاع الجوي (سام) المتطورة والتي شكلت “حائط الصواريخ” المنيع الذي حد من تفوق سلاح الجو الإسرائيلي في بداية الحرب وساهم بشكل مباشر في نجاح العبور.

• الدعم السياسي: قدم الاتحاد السوفييتي دعماً سياسياً قوياً في المحافل الدولية لا سيما في مجلس الأمن لمواجهة التدخل الأمريكي ودعم المطالب العربية بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة. إن هذا الدعم الاستراتيجي أكد على توازن القوى العالمي في ذلك الوقت.

شهود النصر الأحياء: مصابو الحرب

في كل احتفال بالنصر يجب أن نتوقف إجلالاً لـ “ضحايا النصر الأحياء” أولئك الأبطال الذين عادوا من ميادين الشرف يحملون أوسمتهم على أجسادهم لا على صدورهم. فكل مصاب وعسكري فقد جزءاً من جسده أو صحته هو سجل حي للتضحية وعنوان دائم لتكاليف الحرية. إنهم يمثلون ذاكرة الوطن التي لا تمحى حيث يعيشون بيننا ليذكرونا يومياً بأن هذا النصر لم يكن هدية بل ثمن باهظ دُفع بدمائهم وصحتهم. إن الشكر والتقدير لا يفي حقهم فهؤلاء المصابون هم حراس الشرف الذين تستمد منهم الأجيال القادمة دروس الصبر والإصرار الوطني.

التضحية العظمى: شجاعة الشهداء ونبل عاطف السادات

لا يمكن لملحمة أكتوبر أن تكتمل دون استحضار ذكرى الشهداء الأبرار الذين قدموا أرواحهم ثمناً للحرية والكرامة. لقد كان ثمن العبور غالياً دُفع من دماء أبطال جسدوا معنى التضحية بلا حدود.

ويبرز اسم الرائد طيار محمد عاطف السادات شقيق الرئيس أنور السادات كرمز لهذه التضحية النبيلة. كان عاطف أحد أبطال الضربة الجوية الأولى حيث حلق بطائرته الميغ مقاتلاً في سماء سيناء واستشهد في دقائق القتال الأولى من يوم 6 أكتوبر. لقد قدمت عائلة القائد الأعلى للبلاد ابنها شهيداً في أولى لحظات المعركة ليصبح بذلك عاطف السادات رمزاً لـتساوي الجميع أمام نداء الواجب الوطني وليؤكد القائد أن هذه الحرب ليست حرباً على الشعب بل حرب الشعب كله.

تضحيات هؤلاء الشهداء هي الوقود الأخلاقي لانتصارنا وذاكرة حية بأن الأرض لا تُسترد إلا بالدم.

إرث العبور: تذكرة للأجيال القادمة

إن ذكرى حرب أكتوبر هي وقفة إجلال للقيادات التي اتخذت القرار وتحملت المسؤولية.

كان الرئيس السادات هو القائد صاحب الرؤية الاستراتيجية الذي أطلق الشرارة وكان الرئيس مبارك هو القائد الميداني لسلاح حاسم نفذ إحدى أهم مراحل الخطة ببراعة فائقة.

إن هذا النصر لم يكن ليتحقق لولا تكامل الأدوار بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية وبين التخطيط السري والجهد الجبار في ميادين القتال. تظل حرب أكتوبر 1973 بتاريخها الكامل وتفاصيلها الدقيقة تذكيراً قوياً بقدرة الأمة المصرية على النهوض من تحت الرماد وبأن الإرادة الوطنية القوية والتخطيط العلمي الدقيق هما المفتاح الحقيقي لتحدي أصعب الظروف وتحقيق النصر.

لقد غيرت حرب أكتوبر خريطة الشرق الأوسط ليس عسكرياً فحسب بل سياسياً أيضاً وأسست لمرحلة جديدة من الوعي العربي بأهمية البناء على القوة لتحقيق السلام المستدام. ولذلك ستبقى أسماء القادة الذين شاركوا في هذه الملحمة في مقدمتهم الرئيس السادات والرئيس مبارك خالدة في وجدان كل عربي كرمز للعزة والكرامة واسترداد الحق.

دعاء ووفاء: تحية لمن صنعوا المجد

في هذه الذكرى الخالدة لا يسعنا إلا أن نرفع أكف الضراعة مترحمين على أرواح الأبطال الذين جادوا بأغلى ما يملكون فداءً للوطن:

اللهم يا رحمن يا رحيم ارحم الرئيسين محمد أنور السادات ومحمد حسني مبارك واجزهما خير الجزاء على ما قدماه لوطنهما من عزة وكرامة وادخلهما فسيح جناتك مع الشهداء والصديقين.

اللهم تقبّل شهداء حرب أكتوبر المجيدة الذين رووا بدمائهم الطاهرة تراب سيناء واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة واكتبهم في عليين.

اللهم تقبّل من مصابي الحرب تضحياتهم واجعل عاهاتهم وسام شرف دائم وبارك في صحتهم وعمرهم.

اللهم احفظ مصر وشعبها وقواتها المسلحة واجعل هذه الذكرى نوراً يضيء لنا دروب المستقبل دروب البناء والتنمية والكرامة.

#تحيا مصر #وتحيا ذكرى النصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى