فاطمة القصاص تكتب.. سنابل الخير تنبت في مدارس بورسعيد
فاطمة القصاص تكتب.. سنابل الخير تنبت في مدارس بورسعيد
في زمن يكثر فيه الحديث عن تراجع القيم وتبدل الاولويات، ياتي طلاب مدارس بورسعيد القومية بالزمالك ليقدموا درسا عمليا يؤكد ان الخير ما زال يسكن القلوب، وان روح الانتماء لا تحتاج الى شعارات بقدر ما تحتاج الى فعل. ما شهدته المدرسة استعدادا لشهر رمضان لم يكن مجرد نشاط موسمي، بل كان ملحمة انسانية حقيقية كتبت فصولها اياد صغيرة وقلوب كبيرة.
مبادرة “سنابل الخير” التي اطلقتها مدارس بورسعيد تحت اشراف شيرين حمدي مدير عام المدارس، تحولت في ايام قليلة الى مشهد يبعث على الفخر، فناءات المدارس لم تعد ساحات انتظار بين الحصص، بل صارت خلايا نحل تعمل بلا توقف، طلاب من مختلف المراحل التعليمية اصطفوا في سلاسل بشرية منظمة، يجمعون السلع الغذائية ويعبئون كراتين الخير، في صورة تجسد المعنى الحقيقي لعبارة يد تبني ويد تطعم.
اللافت في هذه المبادرة ليس حجم المشاركة فقط، بل الوعي الذي يقف خلفها، الطلاب لم ينتظروا توجيها مباشرا او مكافاة، بل بادروا من تلقاء انفسهم، تبرعوا من مصروفهم الشخصي، وحشدوا اصدقاءهم، وضحوا بساعات راحتهم، فقط ليضمنوا ان تدخل البهجة بيوت الاسر الاولى بالرعاية مع قدوم الشهر الكريم. كل كرتونة تم تجهيزها تحمل حكاية عطاء صادق، وتؤكد ان العمل التطوعي ليس رفاهية بل مسؤولية.
هذه الصورة تعيد تعريف دور المدرسة في المجتمع. فالمدرسة ليست مكانا لتحصيل الدرجات فحسب، بل مساحة لتشكيل الوجدان وبناء الشخصية. ما حدث في مدارس بورسعيد يثبت ان التربية الحقيقية هي التي تزرع في الطالب احساسه بغيره، وتعلمه ان نجاحه لا يكتمل الا اذا شارك مجتمعه همومه وافراحه. هنا يصبح الدرس في الانسانية سابقا على الدرس في المناهج.
كما ان هذه المبادرة تعكس وجها اصيلا من وجوه مصر، فالتكافل ليس سلوكا طارئا على المجتمع المصري، بل هو جزء من نسيجه الثقافي والديني، ومع اقتراب رمضان، يتجدد هذا المعنى كل عام، لكن الاجمل ان يبادر الصغار قبل الكبار، وان يقود الشباب قوافل الخير بثقة ومسؤولية.
من المتوقع ان يتم توزيع كراتين الخير بالتنسيق مع الجهات المعنية لضمان وصولها الى مستحقيها قبل حلول الشهر الفضيل، غير ان القيمة الحقيقية للمبادرة لا تقف عند حدود التوزيع، بل تمتد الى ما هو ابعد، الى زرع بذرة في نفوس الطلاب ستنبت مستقبلا مواقف اكثر نضجا وعطاء.
هكذا تؤكد مدارس بورسعيد ان سنابل الخير حين تزرع في ارض التعليم، فانها لا تثمر علما فقط، بل تثمر انسانا يعرف قيمة العطاء، وفي زمن نحن احوج ما نكون فيه الى الامل، يكفي ان ننظر الى هؤلاء الطلاب لندرك ان مستقبل هذا الوطن في ايد امينة.