تصعيد أمريكي إيراني يهدد بإشعال مواجهة إقليمية واسعة
بقلم : يوحنا عزمي
يتسارع الحديث في الأوساط السياسية والعسكرية عن اقتراب لحظة فاصلة قد تعيد إشعال واحدة من أخطر بؤر التوتر في العالم، مع تصاعد المؤشرات التي توحي بأن واشنطن تضع خياراتها العسكرية تجاه إيران على الطاولة بصورة أكثر جدية من أي وقت مضى ، وسط تحركات عسكرية مكثفة ورسائل سياسية حادة من الجانبين، في مشهد يبدو فيه الشرق الأوسط وكأنه يقف مرة أخرى على حافة انفجار واسع قد تتجاوز تداعياته حدود أي صراع سابق في المنطقة.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه تصريحات متبادلة تتحدث عن فرص للحوار والتفاوض، يجري على الأرض استعراض واضح للقوة، حيث تتحرك حاملات الطائرات الأمريكية وقطع بحرية ضخمة باتجاه مسارح العمليات القريبة من إيران ، بينما تتصاعد نبرة التحذير من البيت الأبيض بأن أي مواجهة قادمة ستكون أكثر قسوة مما شهده الصيف الماضي ، وهو ما يضع المنطقة بأكملها في حالة ترقب مشوب بالقلق ، خاصة أن مثل هذه الصراعات غالباً ما تبدأ بضربة محدودة لكنها تنتهي بسلسلة تفاعلات يصعب التحكم في مسارها.
التقارير الإعلامية الأمريكية تتحدث عن إمكانية تنفيذ عملية عسكرية خلال فترة قصيرة للغاية إذا صدر القرار السياسي، مع جاهزية كاملة للقوات البحرية والجوية لتنفيذ ضربات دقيقة تستهدف مواقع عسكرية أو منشآت استراتيجية ، في إطار
ما تصفه واشنطن بالضربة الاستباقية لمنع أي تهديد محتمل
لقواتها أو حلفائها في المنطقة ، بينما ترى طهران في هذه التهديدات محاولة لفرض إرادة سياسية بالقوة ، وتؤكد أن أي هجوم سيُقابل برد واسع قد يفتح أبواب مواجهة إقليمية شاملة.
وفي خضم هذا التصعيد ، تتعدد السيناريوهات المطروحة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن ، بدءاً من ضربات محدودة ضد مواقع عسكرية أو قادة ميدانيين بهدف إضعاف القدرات الإيرانية وخلق ضغط داخلي على النظام ، وصولاً إلى سيناريوهات أوسع تستهدف برامج الصواريخ أو البنية التحتية المرتبطة بالبرنامج النووي، رغم إدراك كثير من الخبراء أن القوة الجوية وحدها قد لا تكون كافية لإحداث تغيير سياسي جذري داخل إيران ، وهو ما يجعل أي تدخل عسكري واسع مغامرة محفوفة بالمخاطر.
في المقابل ، تؤكد طهران أن الولايات المتحدة قد تكون قادرة
على إشعال الحرب لكنها لن تكون قادرة على التحكم في مسارها
أو نهايتها، مشيرة إلى أن القواعد والقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة ستكون في مرمى أي رد إيراني محتمل، إضافة إلى إمكانية انخراط حلفاء إيران الإقليميين في المواجهة ، مما قد يحول أي صدام محدود إلى صراع متعدد الجبهات يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط وربما أبعد من ذلك.
القلق الأكبر لا يقتصر على احتمالات المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران ، بل يمتد إلى مخاوف دول المنطقة التي
تخشى أن تتحول أراضيها وقواعدها العسكرية إلى ساحات
ردود متبادلة ، حيث تدرك عواصم الخليج أن أي تصعيد كبير سيؤثر مباشرة على أمنها واقتصاداتها وأسواق الطاقة العالمية ، وهو ما يفسر الضغوط الإقليمية المتزايدة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في الوقت ذاته ، يظل الملف النووي الإيراني محوراً رئيسياً في الأزمة، إذ تطالب واشنطن بضمانات تمنع طهران من الاقتراب من امتلاك سلاح نووي، بينما تؤكد إيران أن برنامجها ذو طابع سلمي وأن التخلي عنه أو وضعه تحت رقابة خارجية مشددة يُعد مساساً بسيادتها الوطنية ، ما يجعل الوصول إلى تسوية ترضي الطرفين أمراً بالغ الصعوبة في ظل انعدام الثقة المتراكم منذ سنوات.
المعادلة تزداد تعقيداً مع ظهور تقارير تتحدث عن خلافات داخلية في إيران وتصاعد الضغوط على التيارات الإصلاحية ، وسط معلومات عن محاولات لتغيير التوازن السياسي الداخلي، وهو ما يضيف بعداً جديداً للأزمة ، إذ إن أي اضطراب داخلي يتزامن مع ضغط خارجي قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة ، سواء بتشديد القبضة الأمنية أو بفتح الباب أمام تحولات سياسية مفاجئة.
كل هذه التطورات تجري بينما تتحرك الآلة العسكرية الأمريكية في محيط إيران بوتيرة متسارعة، مع تعزيز أنظمة الدفاع الجوي ونقل طائرات مقاتلة وقاذفات بعيدة المدى ، ما يعطي انطباعاً بأن خيار القوة يُستخدم كورقة ضغط قصوى لدفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية ، أو على الأقل لإظهار أن واشنطن مستعدة للذهاب بعيداً إذا فشلت الدبلوماسية.
غير أن المشكلة الكبرى في مثل هذه الأزمات أن الحسابات السياسية قد تبدو محسوبة بدقة في غرف القرار ، لكنها على
أرض الواقع تخضع لعوامل كثيرة غير متوقعة ، حيث يمكن لخطأ واحد أو تقدير خاطئ أو حادث عسكري محدود أن يشعل سلسلة من الأحداث الخارجة عن السيطرة ، خاصة في منطقة مشبعة بالسلاح والصراعات والتحالفات المتشابكة.
ولهذا يرى كثير من المحللين أن المنطقة تمر بلحظة شديدة الحساسية ، فإما أن تنجح الضغوط في إعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض قبل فوات الأوان ، أو أن تنفلت شرارة صغيرة لتتحول إلى حريق إقليمي واسع ، وفي هذه الحالة لن يكون السؤال من بدأ الحرب ، بل من