ونيس ضد مبادئه
بقلم: محمود سعيدبرغش
كان الفنان محمد صبحي بالنسبة لنا أكثر من مجرد ممثل؛ كان معلّمًا للقيم، ومُربيًا للأخلاق، وصوتًا يذكّرنا دائمًا بأن الخير باقٍ ما بقي الإنسان. عبر شخصية “ونيس” صنع قدوةً تربّت عليها أجيال، وقدّم نموذجًا للرجل الذي ينحاز للضعيف ويقف إلى جانب الحق مهما كلّف الأمر. لكنّ المشهد الذي ظهر مؤخرًا في الفيديو الشهير مع سائقه جاء ليكسر الصورة النقية التي حملها الجمهور عنه لسنوات.
خرج محمد صبحي من حفل تكريمه في مهرجان “آفاق” بمسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية وسط زحام وسائل الإعلام والجمهور. وفي لحظة انتظار السيارة، لم يجد الفنان سائقه في المكان المتفق عليه، فانفعل وغضب، وأخذ مفاتيح السيارة وقادها بنفسه بينما ظهر السائق—رجل كبير في السن—يركض خلف السيارة في مشهد أثار موجةً واسعة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي.
اللقطة لم تستغرق سوى ثوانٍ، لكنها كانت كافية لتحريك الشارع المصري كله، لأن صبحي لم يظهر فيها كـ“ونيس” الذي عرفناه، بل كفنان غاضب لا يرى من خلفه رجلًا أنهكه العمر والعمل.
انهالت التعليقات، ما بين من رأى أن ما فعله الفنان يتعارض مع كل ما كان يعظ به، وبين من اعتبرها لحظة غضب عابرة.
أول تعليق لصبحي
نشر منشورًا غامضًا قال فيه:
> “مهما صبّت السماء ماءً عذبًا في البحر، سيبقى مالحًا… البعض لا يتغيّرون.”
تفسير الجمهور للعبارة انقسم بين من رآها تعبيرًا عن ضيق، وآخرين عدّوها محاولة لتبرير موقف غير مبرَّر.
خرج ابن السائق في تصريحات قال فيها إن والده لم يتقاعس، بل كان في الحمّام وقت خروج الفنان، وأنه لم يُهِن نفسه ولم يقصد التأخير، وأن الموقف يمكن أن يحدث لأي إنسان.
دافع المنتج محمد العدل عن الفنان وقال إن المبالغة الإعلامية هي التي كبّرت الواقعة، وأن حالة صبحي الصحية والازدحام لعبا دورًا في لحظة الانفعال.
ونيس… أين ذهب؟
المؤلم في هذه الواقعة ليس ما فعله محمد صبحي فقط، بل ما هدمه من صورة بناها داخلنا. لقد تعلّمنا على يد “ونيس” أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الرحمة فوق كل شيء، وأن الكبير يُحترم لا يُركض خلف السيارات.
لكنّ ما رأيناه كان عكس الدرس تمامًا.
ربما أخطأ السائق… وربما كان صبحي غاضبًا… وربما كان الزحام خانقًا.
لكن القيم ليست امتحانًا يُختار وقت إجابته، بل موقف يظهر في اللحظة التي تقسو فيها الظروف.
وقد كشفت هذه اللحظة أن الفنان الذي قدّم لنا القيم على الشاشة، لم يلتزم بها خارجها.
الفنان يلتزم الصمت رسميًا بعد منشوره الأول.
الوسط الفني منقسم بين مدافع وناقد.
الجمهور يطالب بتوضيح مباشر واعتذار يحفظ كرامة السائق.
ابن السائق يؤكد أن والده بخير، وأنه لا يريد تضخيم الأزمة حفاظًا على لقمة العيش.
ربما يعتذر محمد صبحي… وربما يشرح… وربما يكتفي بالصمت.
لكن ما لا خلاف عليه هو أن الصورة التي اهتزّت لن تعود كما كانت بسهولة. لقد أعطانا “ونيس” دروسًا قيّمة، لكن يبدو أن الشخص الذي عاش داخل الشخصية كان مجرد ممثل بارع… يجيد أداء الدرس على المسرح، لكنه يفشل في تطبيقه على أرض الواقع.
وستظل الواقعة درسًا جديدًا للجمهور:
النجوم يصنعون القدوة على الشاشة… أما المواقف فهي التي تكشف معدن الإنسان الحقيقي.
زر الذهاب إلى الأعلى