وراء الابتسامة: ضحك يحجب الألم
بقلم: د. كريم ابوعيش
في كل يوم، نصادف أشخاصًا يضحكون بلا توقف، يهزرون مع كل موقف، ووجوههم دايمًا مبتسمة. تحس أنهم خفيفو الظل، حياتهم سهلة، والهم بعيد عنهم. لكن الحقيقة أعمق بكثير. خلف كل ابتسامة، أحيانًا، قلب منهك وروح تعبت من صراعات لا أحد يعرفها.
الضحك والهزار عند بعض الناس ليس للمرح فقط، بل حماية للنفس من الانكسار. هم لا يرفضون الدعم، لكنهم يختارون أن يواجهوا همومهم وحدهم، حتى لا يرهقوا أحدًا. الضحكة تصبح درعًا، والابتسامة ستارًا يخفي تعبًا عميقًا. كل هزار، كل ابتسامة، هي رسالة صامتة تقول: “أنا منهار، لكن لن يرى أحد ضعفي”.
الآخرون يرون الوجه فقط، فلا يعرفون أن وراء المزاح قلق مستمر وهموم كبيرة. المجتمع بطبيعته ينجذب للمظاهر، ونظرتنا غالبًا تكون خاطئة. الإنسان الأكثر ضحكًا أحيانًا هو الأثقل حملًا للهموم، لكنه اختار أن يصمد بصمت، ويحمي من حوله من ثقل ما يشعر به.
والحقيقة أن هناك أنواعًا مختلفة من البشر الذين لا يظهرون ما بداخلهم. بعضهم يفعل ذلك حتى لا ينكسر أمام أحد، يحاولون أن يكونوا أقوياء رغم الألم، وأن يحافظوا على تماسكهم أمام الآخرين. والبعض الآخر يخفي وجعه حتى لا يشمت أحد بهم، يحتفظ بالألم داخلهم حتى لا يبدو كسرهم واضحًا أو يراه الآخرون فرصة للسخرية أو الاستهزاء. في كلتا الحالتين، الألم يبقى داخليًا، والصمود مرآة خفية لقوة غير مرئية.
هذا السلوك لا يقتصر على الكبار فقط، بل نراه بين الشباب في الدراسة والعمل، وحتى في الأسرة. الابتسامة أحيانًا تكون وسيلة لتجاوز الخوف من الحكم على الضعف، أو للتظاهر بالقوة أمام الآخرين، رغم أن القلب منهار.
الدرس هنا واضح وبسيط: لا تحكم على أحد من ابتسامته أو ضحكه. الابتسامة ليست دائمًا فرحًا، لكنها غالبًا مراية للصمود والإصرار على مواجهة الحياة رغم كل الألم الداخلي. وفي النهاية، الابتسامة قد تخفي الألم، لكنها تظل صرخة صامتة، وقوة هادئة تتحدى العالم، وتذكرنا أن أحيانًا الصمود أبلغ من أي كلام.
حديث_الثلاثاء
زر الذهاب إلى الأعلى