فاطمة القصاص تكتب..ملكية الابداع فى متحف فاروق حسني
في لحظات نادرة، لا يكون افتتاح المتاحف حدثا ثقافيا تقليديا، بل إعلانا عن وعي دولة بقيمة الإبداع كأصل لا يقل أهمية عن الأرض أو التاريخ، وأنا أتابع افتتاح متحف الفنان فاروق حسني، بدا المشهد أقرب إلى توثيق رسمي لمسيرة عقل مصري آمن مبكرا بأن الفن فكرة، وأن الفكرة إذا لم تحمَ وتوثق، تضيع قيمتها، من هنا، لا يمكن قراءة هذا المتحف بمعزل عن مفهوم الملكية الفكرية وصناعة القوة الناعمة المصرية.
في العاشر من يناير الجارى، ومع قص شريط افتتاح متحف الفنان فاروق حسني للفنون في حي الزمالك، لم تكن مصر تفتتح مجرد قاعة عرض، بل كانت تعلن عن توثيق عقد ملكية فكرية لواحد من أهم رموزها المعاصرين، هذا الحدث يأتي في وقت تضع فيه الدولة المصرية حماية الإبداع والابتكار على رأس أولوياتها عبر الجهاز المصري للملكية الفكرية، ليجسد مسيرة فنان نجح في تحويل الفكرة إلى أثر باق، فهندسة الأصول الثقافية، حماية الماركة المصرية عالميا، لطالما كان فاروق حسني، خلال توليه وزارة الثقافة (1987-2011)، مدركا أن التراث ليس مجرد ماض، بل هو أصل فكري يجب استثماره وحمايته
المتحف المصري الكبير بتبنيه فكرة هذا الصرح منذ التسعينيات، كان فاروق حسني يضع استراتيجية لحماية الهوية البصرية لمصر، هذا المشروع هو في جوهره حماية لحقوق الملكية الفكرية للدولة المصرية في طريقة عرض وتسويق كنوزها التاريخية أمام العالم.
إن ترميم شارع المعز لم يكن تجميلاً، بل كان إعادة إحياء القاهرة التاريخية وتسجيل لبراءات اختراع معمارية وفنية إسلامية وفاطمية، وحفظا لحقوق الأجيال في ميراثهم الثقافي كعلامة مسجلة للتفرد المصري.
هنا تبرز مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون كلاعب أساسي في منظومة الملكية الفكرية للشباب، ومع إغلاق باب التقدم لجوائز الفنون في دورتها السابعة هذا الشهر، تؤكد المؤسسة دورها في حماية حق المؤلف من خلال توفير منصة رسمية تعرض أعمال الشباب وتوثق نسبتها إليهم، مما يحميهم من السطو الفكري في بدايات طريقهم، وعبر جوائز العمارة والنقد والتصوير، تدفع المؤسسة بالمبدع المصري نحو سوق العمل وهو مسلح بـمنتج فكري قادر على المنافسة الدولية.
إن المتحف الجديد يمثل تطبيقا عمليا لمفهوم صون الأصول الفكرية، فهو يضم تحولات فاروق حسني من التشخيص إلى التجريد الخالص الذي أصبح بصمته الفكرية المسجلة في وجدان الفن العالمي، كما أن ضمه لمجموعات نادرة لرواد مثل محمود سعيد ومختار يجعل منه خزنة قومية تحفظ حقوق رواد الفن المصري من الاندثار أو التزوير، ويضمن بقاءها كمرجع أصيل للباحثين والمبتكرين.
إن فاروق حسني، وهو يفتتح متحفه، لا يقدم لنا لوحاته فحسب، بل يقدم نموذجا للمبدع الذي يعرف كيف يحمي حقوقه الذهنية ويحولها إلى قوة ناعمة تخدم الوطن، إنه حارس التراث الذي أدرك مبكرا أن نهضة الأمم تبدأ من حماية عقول مبدعيها وتوثيق ملكيتهم لابتكاراتهم، ليظل اسمه مرتبطا دائما بـصناعة الإلهام المحمي.
زر الذهاب إلى الأعلى