صراع الغاز يتوهّج بين القاهرة وتل أبيب
كتب ضاحى عمار
بالتقاط خيوط المشهد الإقليمى المتشابك، يتضح أن صفقة الغاز المنتظرة بين مصر وإسرائيل تجاوزت حدود الاقتصاد لتتحول إلى ورقة ضغط سياسية وإستراتيجية يحركها رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو وفق حسابات معقدة، بينما تمضى القاهرة بثبات فى سياسة تنويع مصادر الطاقة، رافضة الوقوع رهينة لأى طرف. وفى ظل التحولات المتسارعة، بات التساؤل الأبرز: هل تتحول صفقة ليفياثان إلى نقطة ارتكاز فى علاقة تبدو أحياناً مضطربة وأحياناً أخرى براغماتية؟
ومنذ أغسطس الماضى، توقفت مؤسسات الطاقة الإسرائيلية أمام الاتفاقية الجديدة التى وقعتها شركة نيو ميد إنرجي لتصدير 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر حتى عام 2040 مقابل 35 مليار دولار، باعتبارها الأضخم فى تاريخ القطاع الإسرائيلى، قبل أن يجمّد نتنياهو التصديق عليها متذرعاً بمزاعم خرق الملحق الأمنى من الجانب المصرى، وهو ما نفته القاهرة بصورة قاطعة.
ومع مرور أربعة أشهر على التعطيل، تحركت تكهنات عديدة حول توجه مصر لبدائل أخرى، وعلى رأسها الغاز القطرى، فى إطار سياسة معلنة لوزارة البترول المصرية تعتمد على تنويع الشركاء وعدم الارتهان لمصدر واحد. وفى هذا السياق، أكدت تقارير عبرية أن الحديث عن بديل قطرى لعب دوراً أساسياً فى تغيير موقف نتنياهو، الذى عاد خلال الأيام الأخيرة ليمنح الضوء الأخضر لإتمام التفاهمات مع القاهرة.
وبالتزامن مع ذلك، ظهرت مؤشرات على ترتيبات لزيارة مرتقبة لنتنياهو إلى القاهرة، وفق ما نقله موقع تايمز أوف إسرائيل عن مصدر دبلوماسى أمريكى، تحدث عن جهود مشتركة بين مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين لإنهاء الخلافات الأخيرة، مع توقع لقاء يجمع نتنياهو بالرئيس عبدالفتاح السيسى حال اكتمال الجوانب الفنية للاتفاق.
ويفسر المستشار سمير عليوة، المحكم الدولى، هذا التحول بأنه يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن تعطيل الصفقة لم يعد ورقة ضغط فعّالة، خاصة بعد اقتراب القاهرة من فتح قنوات توريد بديلة. ويضيف أن مصر ليست فى موقع الباحث عن الغاز، لكنها فى موقع لاعب إقليمى يسعى إلى تعظيم قدراته التصديرية وتحويل شرق المتوسط إلى مركز توازن طاقة.
ويشير عليوة إلى أن القرار الإسرائيلى يحمل أيضاً بعداً انتخابياً داخلياً، فنتنياهو يبحث عن إنجاز دبلوماسى يقدمه للشارع قبل الانتخابات المقبلة، بعد تراجع شعبيته وتزايد الضغوط المتعلقة بقضايا الفساد.
وتتفق الكاتبة الصحفية رشا فتحى مع هذا الطرح، مؤكدة أن نتنياهو اعتاد استخدام الملفات الاقتصادية كوسيلة للهروب من أزماته، بينما تظل القاهرة ثابتة على موقفها القائم على مصالح طويلة المدى. وتوضح أن التلويح بالاتجاه إلى قطر لم يكن مناورة إعلامية، بل خياراً مدروساً ينسجم مع التغيرات التى تشهدها خريطة الطاقة العالمية.
وتضيف فتحى أن مصر تنظر إلى الغاز ليس فقط باعتباره مصدراً للطاقة، بل بوصفه أداة لتعزيز مكانتها الجيوسياسية، سواء عبر ممرات التسييل أو من خلال شراكات شرق المتوسط. وترى أن قبول نتنياهو بتمرير الصفقة، بعد شهور من التعطيل، يعكس فى جوهره نجاح السياسة المصرية الهادئة التى ترفض الانخراط فى سجالات مفتعلة.
وبحسب مصادر عبرية، فإن وزير الطاقة الإسرائيلى إيلى كوهين أكد أن المفاوضات مع مصر وصلت إلى مراحل متقدمة، مع تضييق الفجوات بشأن الأسعار والكميات، مشدداً على أن لدى إسرائيل ما يكفى من الغاز لثلاثين عاماً وأن استمرار التجميد لم يعد منطقياً.
وعلى مستوى أوسع، تبرز محاولة أمريكية لرعاية قمة ثلاثية تضم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والسيسى ونتنياهو، وهو ما نفته القاهرة، بينما يُنظر إليه كمؤشر على رغبة واشنطن فى تأمين استقرار سوق الغاز شرق المتوسط، خصوصاً مع تعدد النزاعات والملفات المؤجلة.
وبالاقتراب من المشهد الختامى، يبدو أن الصفقة تمضى نحو التوقيع، لكن تأثيراتها تتجاوز حدودها الاقتصادية، لتعيد طرح سؤال دهشتها المركزى: هل يتحول الغاز إلى جسر يعيد ترتيب العلاقات فى شرق المتوسط، أم يظل ورقة فى صراع سياسى متجدد؟
فى كل الأحوال، تشير الوقائع إلى أن القاهرة لن تتخلى عن سياسة تنويع مصادرها، ولن تسمح بتحويل ملف الطاقة إلى أداة ابتزاز، بينما يتعامل نتنياهو معه كفرصة انتخابية يسعى من خلالها إلى كسر عزلته الداخ
لية قبل الاقتراع المنتظر.
زر الذهاب إلى الأعلى