اعتقال رؤساء الدول فى ظل القانون الدولى: قوة القانون أم قانون القوة

بقلم / فتحى عبدالحميد
باحث قانونى – دكتوراه فى القانون العام
يقوم النظام الدولي الحديث، من حيث المبدأ، على فكرة جوهرية مفادها أن القوة يجب أن تُقيد بالقانون، وأن السيادة ليست منحة من الأقوى، بل حق أصيل للدولة المعترف بها دوليًا. وقد جاء ميثاق الأمم المتحدة، منذ عام 1945، ليضع حدًا لفوضى العلاقات الدولية التي سبقت الحرب العالمية الثانية، عبر تثبيت قواعد واضحة تحظر استخدام القوة، وتؤكد المساواة في السيادة، وتحمي الكيانات السياسية من الإكراه الخارجي. غير أن التطورات المتراكمة خلال العقود الأخيرة، وما يثار اليوم من وقائع أو ادعاءات تتعلق باعتقال رؤساء دول ذات سيادة أو نقلهم قسرًا لمحاكمتهم أمام محاكم وطنية لدول أخرى، تكشف عن أزمة بنيوية عميقة في النظام الدولي، تتجاوز حدود الخلافات السياسية أو تقييم طبيعة الأنظمة الحاكمة، لتصل إلى جوهر القانون الدولي ذاته.
إن اعتقال رئيس دولة لا يزال في منصبه، خارج إقليم دولته، دون موافقة سلطاتها الشرعية أو تفويض صريح من مجلس الأمن، يمثل في جوهره استخدامًا للقوة وانتهاكًا مباشرًا لمبدأ السيادة وعدم التدخل، كما يشكل خرقًا للحصانة الشخصية التي يقرها القانون الدولي العرفي لرؤساء الدول والحكومات. وقد أكدت محكمة العدل الدولية، في أكثر من مناسبة، أن هذه الحصانة ليست امتيازًا شخصيًا، بل ضمانة وظيفية تهدف إلى حماية الدولة ذاتها ومنع شل قدرتها على العمل في النظام الدولي. ومن ثم، فإن تجاوز هذه الحصانة عبر إجراءات قسرية أحادية لا يمكن تبريره قانونيًا، مهما كانت طبيعة الاتهامات الموجهة، طالما لم تُطرح ضمن إطار دولي شرعي معترف به.
وتزداد خطورة هذا المسار حين يجري إخضاع رئيس دولة أجنبية لاختصاص القضاء الوطني لدولة أخرى، في توسع تعسفي لفكرة الولاية القضائية يتناقض مع المبادئ المستقرة للقانون الدولي العام. فالمساءلة عن الجرائم الدولية، متى توفرت شروطها، لها قنواتها المحددة، وفي مقدمتها المحاكم الدولية أو الآليات المنشأة بقرار جماعي من المجتمع الدولي. أما تحويل القضاء الوطني إلى منصة عالمية للمحاكمة القسرية، فهو يفتح الباب أمام تسييس العدالة، ويقوض مبدأ الشرعية الذي يفترض أن يكون أساس النظام الدولي.
وعند النظر إلى الوقائع التاريخية المتعاقبة، يتبين أن ما يُقدم غالباً بوصفه حالات استثنائية، يكشف في مجموعه عن نمط متكرر. فقد أُعتقل رئيس بنما مانويل نورييغا عقب غزو عسكري مباشر عام 1989، وأُدين لاحقا أمام محاكم الدولة التي شنت الغزو، رغم أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أدانت العملية برمتها باعتبارها انتهاكا للقانون الدولي. وفي حالة هايتي عام 2004، جرى إخراج الرئيس جان برتران أريستيد قسراً من بلاده تحت غطاء أمني، في نموذج مختلف للإكراه السياسي، لا يقل في جوهره مساساً بحق الدولة والشعب في تقرير مصيرهما. أما تسليم الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوشيفيتش إلى محكمة دولية، فرغم طابعه المؤسسي، فقد تم في سياق ضغوط سياسية واقتصادية كثيفة، ما ألقى بظلال ثقيلة على مفهوم الرضا والسيادة.
وجاءت قضية أوغستو بينوشيه لتفتح باب الولاية القضائية العالمية على مصراعيه، كاسرة تقليدا راسخا في احترام الحصانة، ومثيرة تساؤلات عميقة حول حدود العدالة الانتقائية. ثم شكل اعتقال الرئيس العراقي صدام حسين بعد غزو عام 2003 ذروة هذا المسار، إذ جرت محاكمة رئيس دولة في ظل احتلال عسكري، في سياق افتقر منذ بدايته إلى الأساس القانوني الدولي السليم. وتواصل هذا الاتجاه لاحقا مع تسليم رئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز لمحكمة دولة أجنبية، في مؤشر واضح على تطبيع فكرة أن القضاء الوطني لدولة كبرى يمكن أن يمارس دورا عابراً للحدود دون إطار دولي جامع.
وفي هذا السياق التراكمي، فإن ما اثير مؤخرا بشأن اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، لا تمثل واقعة منفصلة، بل نقطة ذروة في مسار خطير، يتمثل في استهداف رئيس دولة لا يزال في منصبه، خارج أي تفويض دولي أو مسار قضائي دولي معترف به. وهو ما يعني، عمليا، انهيار مفهوم الحصانة السيادية، وتحويل السيادة ذاتها إلى وضع هش مشروط بموازين القوة لا بقواعد القانون.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط مصير الرؤساء المعنيين، بل التداعيات البنيوية على النظام الدولي برمته. فحين تصبح الحصانة قابلة للتعليق بإرادة أحادية، يتحول القانون إلى أداة في يد الأقوى، وتفقد الدول الضعيفة والمتوسطة أي إحساس بالأمن القانوني. وحين يسمح بتسييس القضاء الوطني ليقوم بدور عالمي، تتآكل الثقة في العدالة الدولية، وتتحول المؤسسات الأممية إلى أطر شكلية عاجزة عن الردع.
وبذلك، لم يعد السؤال المطروح اليوم هو مدى مشروعية سياسات هذا النظام أو ذاك، بل مستقبل نظام دولي قام، نظريا، على تقييد القوة بالقانون. فإما أن يعاد الاعتبار لقواعد الشرعية الدولية بوصفها حدا فاصلا بين القانون والفوضى، أو ينزلق العالم إلى مرحلة تدار فيها العلاقات الدولية بمنطق القوة العارية، حيث يصبح اعتقال الرؤساء أداة سياسية مشروعة، وتتحول السيادة إلى وهم قابل للاختطاف، وتغدو العدالة مجرد خطاب يستدعى حين يخدم موازين الهيمنة.
ويبقى السؤال:
هل نحن فى عصر قوة القانون أم قانون القوة ؟
……
فتحي عبدالحميد



