فاطمة القصاص تكتب.. حين يكون الإنصاف ترياقاً للإبداع
بالامس دار بيني وبين مجموعة من المثقفين – على هامش واحده من فعاليات الموسم الرابع لمبادرة طبلية مصر – نقاش كبير حول بيئة العمل، واتفقنا جميعا على ان بيئة العمل تمثل بالنسبة للكثيرين منا بيتا ثانيا، نقضي فيه زهرة أعمارنا وطاقتنا، وهي في أصلها ميثاق إنساني يقوم على المودة والتقدير المتبادل، إلا أن هذا الميثاق قد يتعرض أحيانا لاهتزازات صامتة حين تتسلل السلوكيات السلبية والتعالي والعنصرية إلى أروقته، فتبدأ ملامح العدالة في الشحوب، وتتحول العلاقات المهنية من جسور للتعاون إلى جدران تعزل الكفاءات وتطمس المواهب التي كان من المفترض أن تكون وقودا لمستقبلنا.
الموهبة في جوهرها كادر يحتاج إلى بيئة حاضنة ليزهر، وحين يجد الموظف المخلص نفسه مهمشا لصالح العلاقات الشخصية لا يشعر بالظلم المهني فحسب، بل بجرح إنساني عميق يمس ثقته بنفسه وانتمائه لمؤسسته، إننا اليوم بحاجة ماسة للحث على محاربة هذه الآفة، ليس من باب الهجوم، بل من باب الحب لهذا الوطن والحرص على مقدراته البشرية، فالمحسوبية ليست مجرد تجاوز إداري، بل هي جدار عازل يمنع وصول الأكفأ إلى مكانه المستحق، مما يطفئ بريق الحماس في عيون الشباب الطموح، ويجعل الكوادر المبدعة تشعر بأنها عبء بدلا من كونها ذخرا.
إن هذا الاغتيال الممنهج للطموح يقتل روح المبادرة في نفوس المبدعين، ويحول العمل من رسالة سامية إلى عبء ثقيل، حيث يشعر الموظف الموهوب بأنه غريب في وطنه المهني، وأن سنوات جهده وتحصيله العلمي تتلاشى، فتتحول المؤسسات الي كيانات هشة تفتقر للابتكار وتفشل في مواجهة الأزمات، لأنها ببساطة استبدلت رأس المال البشري الحقيقي بشبكات معقدة من الولاءات الضيقة، لذا، فإن نداءنا اليوم هو دعوة لاستعادة إنسانية الإدارة، تلك الإدارة التي ترى في الموظف إنسانا قبل أن يكون رقما، وتقدر الجهد قبل القرابة، إن محاربة المحسوبية تبدأ من ترسيخ ثقافة الإنصاف وتفعيل موازين الشفافية التي تضمن لكل ذي حق حقه، حين تفتح المؤسسات أبوابها للموهبة الحقيقية، وتغلقها أمام الترضيات الشخصية، فإنها لا تبني نجاحا مؤقتا فحسب، بل ترمم الأمل في نفوس أجيال كاملة، وتخلق مجتمعا مهنيا متصالحا مع نفسه، يؤمن فيه كل مجتهد بأن لكل مجتهد نصيبا، وأن كرامة الموهبة هي الخط الأحمر الذي لا يجب تجاوزه، إنها دعوة لنبني معا بيئة عمل لا يطمس فيها مبدع، ولا يظلم فيها مخلص، بل يرتفع فيها الجميع بقوة إنجازهم لا بمتانة صلاتهم ومعارفهم.
زر الذهاب إلى الأعلى