نتنياهو يرسم خرائط صراعاته المقبلة بين غزة والضفة والعفو الرئاسى
ضاحى عمار
بالتزامن مع تصاعد الجدل داخل إسرائيل، يظهر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذه المرة وهو محاصر بملفات سياسية وقضائية وأمنية متشابكة، يسعى من خلالها لإعادة رسم توازنات جديدة تضمن بقاءه فى صدارة القرار رغم العواصف التى تطوّقه من كل اتجاه. ومن يتابع خطواته الأخيرة يلاحظ أنه يتحرك وفق هندسة دقيقة، تجمع ما بين إدارة خلافات الائتلاف اليميني حول الضفة الغربية، والتفاوض مع واشنطن بشأن خطة غزة، ومحاولة الخروج من مأزقه القضائي الذى يلاحقه منذ سنوات.
ومن بوابة الضفة الغربية، بدأ نتنياهو إرسال إشارات لافتة حول المرحلة المقبلة، بعدما أكد فى مؤتمر صحفى عُقد مع المستشار الألمانى فريدريش ميرتس أن مسألة الضم أو اتخاذ خطوات أحادية «مازالت محل نقاش»، وأن الوضع الراهن سيظل قائماً «فى المستقبل المنظور». ورغم أن تلك العبارة تبدو هادئة، إلا أنها فى حقيقتها تعكس صراعاً داخلياً حاداً بين مكونات حكومته، لاسيما الجناح اليميني المتشدد الذى يضغط لتسريع الخطوات الميدانية فى الضفة.
ويتقاطع هذا الموقف مع ملف غزة الذى يراه نتنياهو بوابة لتثبيت موقعه خارجياً، إذ أعلن أنه سيلتقى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب هذا الشهر لبحث «المرحلة الثانية» من الخطة الأمريكية الخاصة بالقطاع، والتى تضم بنوداً سياسية وأمنية معقدة تشمل ترتيبات ما بعد الحرب، وتشكيل حكومة تكنوقراط بإشراف دولى، ونشر قوة أمنية أجنبية لضمان الهدوء. ورغم حديثه عن اقتراب نهاية المرحلة الأولى، إلا أن مصادر سياسية إسرائيلية تؤكد أن معظم تفاصيل المرحلة الثانية مازالت عالقة بين تل أبيب وواشنطن.
وبرغم تراجع وتيرة العنف منذ وقف إطلاق النار فى أكتوبر، إلا أن المفاوضات المتعلقة بالرهائن ورفاتهم لا تزال جارية. فقد سلّمت حماس رفات 27 رهينة، وأفرجت عن عشرين آخرين، بينما تتلقى فى المقابل إطلاق آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين. وما تزال رفات أحد الرهائن قيد المفاوضات، وهو ملف يضغط على الحكومة الإسرائيلية داخلياً فى ظل حساسية الرأى العام تجاهه.
ومن زاوية أخرى أكثر سخونة، يقف ملف العفو ومحاكمة نتنياهو كأحد أهم محاور الصراع الداخلى، بعدما أكد خلال المؤتمر نفسه أنه «لن يعتزل الحياة السياسية» حتى لو حصل على عفو رئاسى. هذا التصريح أثار موجة جديدة من الجدل حول نوايا رئيس الوزراء، خصوصاً بعد طلبه السابق من الرئيس إسحق هرتسوغ منحه عفواً بدعوى أن جلسات المحاكمة تعطل إدارته لشؤون الدولة. لكن القانون الإسرائيلى لا يمنح عفواً قبل الأحكام النهائية، ولا توجد سابقة مشابهة فى تاريخ الدولة.
وفى قراءة قانونية للمشهد، يؤكد المستشار سمير عليوة، المحامى بالنقض وأستاذ القانون الدولى، أن طلب نتنياهو «ليس خطوة قانونية بقدر ما هو مناورة سياسية». ويضيف أن «العفو فى إسرائيل عادة بيأتى بعد إدانة نهائية، واشتراط بعض القوى السياسية ربطه باعتزال نتنياهو للعمل العام يعكس أزمة ثقة داخل المنظومة السياسية». ويرى عليوة أن تدخل ترامب برسالة يطالب فيها هرتسوغ ببحث العفو «قد يضع المؤسسة القضائية الإسرائيلية فى موقف حساس أمام الرأى العام».
أما على مستوى التحليل السياسى، فتشير الكاتبة الصحفية رشا فتحى إلى أن نتنياهو «يُدير عدة معارك فى وقت واحد، ويسعى لخلق حالة توازن جديدة تُبقيه رقماً صعباً فى أى معادلة سياسية مقبلة». وتوضح أن التمسك بالضفة كورقة تفاوض، وربط خطة غزة بلقاء ترامب، والتمسك بالبقاء رغم المحاكمة، «يعكس رغبة واضحة فى إطالة عمر حكومته حتى انتخابات 2026، أو على الأقل منع خصومه من استثمار قضاياه فى إسقاطه».
وتضيف فتحى أن «الشارع الإسرائيلى منقسم، وهناك قطاعات باتت ترى أن استمرار نتنياهو أصبح أزمة فى حد ذاته، بينما يعتبره أنصاره الحائط الأخير أمام التنازلات السياسية». وترى أن الأسابيع المقبلة «قد تشهد تحولات جوهرية» مع اقتراب تنفيذ المرحلة الثانية من خطة غزة، وتوسع نقاشات الضفة، واستمرار الضغوط فى ملف العفو.
وبين خطوط هذه المعارك المتداخلة، يبدو نتنياهو وكأنه يعيد رسم خريطة صراعاته المقبلة، مستنداً إلى مزيج من المناورة السياسية،
زر الذهاب إلى الأعلى