فاطمة القصاص تكتب.. وزيرة الثقافة تجمع بين صرامة العلم ورقة التواضع
ليس من السهل أن تجد شخصية تجمع بين هيبة التاريخ المصري القديم، ورقي الدبلوماسية الدولية، وبساطة القادة الكبار الذين يتركون بصمة في النفوس قبل الأوراق. لكن مع تولي الدكتورة جيهان زكي حقيبة وزارة الثقافة، يبدو أننا أمام مشهد ثقافي مختلف، لا يدار بالمكاتب المغلقة، بل بروح تؤمن أن الثقافة جسر وليست مجرد جدران.
من طيبة إلى ليون.. رحلة البحث عن الجذور
لم تكن مسيرة جيهان زكي العلمية مجرد درجات أكاديمية، بل كانت شغفا لا ينطفئ. بدأت الحكاية من جامعة حلوان، لكن طموحها عبر المتوسط ليصل إلى جامعة ليون بفرنسا، حيث نالت الدكتوراه في علوم المصريات بمرتبة الشرف.
هي ابنة الحضارة التي لم تكتف بالفخر بالماضي، بل تخصصت في منظمة اليونسكو وحماية التراث، مما جعلها تدرك مبكرا أن إرث مصر ملكية عالمية تحتاج إلى حارس ذكي، وإلى ترسيخ فكرة أن المرأة المصرية حامية للتراث على مر العصور.
تنقلت الدكتورة جيهان في مناصبها كمن يحيك نسيجا من النور:
تألقت كمديرة للأكاديمية المصرية للفنون بروما، فكانت خير سفيرة للقوة الناعمة، وحولت الأكاديمية إلى منارة تشع بالفن المصري في قلب أوروبا.
قادت ملفات هامة في المتحف المصري الكبير، واضعة خبرتها في خدمة أضخم مشروع ثقافي في القرن الحادي والعشرين، لتثبت قدرة المرأة على تقلد جميع المناصب.
حملت أمانة الكلمة والتشريع كعضو في مجلس النواب، فكان صوتها دائما ينحاز للهوية والتنوير.
وعن جيهان التي عرفتها.. التواضع
حين نتحدث بعيدا عن الألقاب الرسمية وبروتوكولات الوزراء، من يقترب من الدكتورة جيهان زكي يكتشف جانبا قد لا تنقله شاشات الأخبار. هي شخصية متواضعة لا تضع حواجز بينها وبين من حولها. عرفتها داعمة حقيقية، لا تبخل بخبرتها ووقتها، وتؤمن بتمكين الكوادر الشابة، وتدفع بهم إلى الأمام بقلب محب وعقل منفتح.
لديها قدرة نادرة على الاستماع، وتشجيع كل مبدع يخطو خطواته الأولى، مما يجعلها وزيرة إنسانة قبل أن تكون مسؤولة حكومية.
ماذا ننتظر من الوزيرة الأكاديمية؟
بتوليها المسؤولية، نحن لا ننتظر فقط إدارة للمهرجانات أو قصور الثقافة، بل ننتظر فلسفة ثقافية جديدة. فلسفة تستثمر في الأجيال، وتستمد قوتها من الانفتاح على العالم، وهي الحاصلة على أرفع الأوسمة الفرنسية والإيطالية، دون أن تفقد بوصلة الهوية المصرية الأصيلة.
إن تعيين الدكتورة جيهان زكي هو انتصار للمهنية الممزوجة بالرقي الإنساني. هي رحلة بدأت من فك رموز الهيروغليفية، لتصل اليوم إلى فك شفرات الواقع الثقافي المصري وتطويره، تأكيدا على دور المرأة الهام في الحياة السياسية والثقافية.