منوعات

رحيل أم حملت وجع العمر بصمت

رحيل أم حملت وجع العمر بصمت

بقلم/نشأت البسيوني

لم يكن خبر وفاة والدة الفنان رضا البحراوي مجرد إعلان حزين يمر في زحمة الأيام بل كان صدمة إنسانية هزت وجدان كل من عرف قيمة هذه السيدة التي عاشت عمرها في صراع طويل مع المرض ولم تنطق يوما بالشكوى ولم تظهر يوما ضعفا أمام العالم كانت من تلك النساء اللاتي يحملن الوجع بصمت ويخبئن الألم خلف ابتسامة تعرف كيف تهزم العجز حتى وهي في أشد لحظات الانكسار

رحلت بعد معركة مريرة لم تنتصر فيها الأجساد لكن انتصرت فيها الروح انتصارا كاملا فقد كانت مثالًا للأم التي تقف في الظل كي يضيء العالم أمام أبنائها كانت تدعو لهم في الخفاء وتتحمل الألم دون أن يشعر أحد حتى صار المرض جزءا من يومها وصار الصبر عادة لا تنفصل عنها رضا البحراوي الذي عرفه الجمهور بصوته القوي وقف هذه المرة بصمت أمام فقد لا يشبه أي فقد فألمه هنا ليس

على خشبة مسرح ولا في أغنية بل في قلبه مباشرة فالأم ليست مجرد سند بل تاريخ كامل من الدعاء والرضا والحضن الذي لا يعوض مهما كبرت الأعمار ومهما اشتدت صلابة الرجال فهناك لحظة يقف فيها الرجل عاجزا مهما كان مشهورا أو محبوبا أو قويا لحظة ينهزم فيها أمام خبر لا يحتمل خبر أن الأم رحلت وتركت خلفها صدى حضورها فقط كانت والدته بالنسبة له الأصل الذي ينتمي إليه

مهما بعد في طريق الفن ومهما ازدحم حوله الجمهور كانت تتابعه بعين راضية تدعمه بصوت خافت يشبه النسيم وتفخر به دون أن تطلب شيئا سوى أن يكون بخير لم تكن الأمومة عندها كلمة بل كانت فعلا يوميا صلاة مستمرة ووصية صامتة بأن يعيش بالخير ويعود للخير دائما ومع صراع المرض الطويل كانت تقف كمن يعرف أن النهاية قريبة ولكنها لا تريد أن تثقل قلب أحد كانت تحاول أن

تخفف عن الجميع حتى في لحظاتها الأخيرة وكأنها تعتذر للحياة عن الرحيل وكأنها تريد أن تترك أثرًا من هدوئها في صدور من تحب

ورحلت المرأة التي لم يعرفها الجمهور كثيرا ولكنها كانت العالم كله بالنسبة لابنها رحلت تاركة خلفها حزنا لا يشبه غيره وذكرى لا تغيب مهما مر الزمن فالأم حين تترك الدنيا لا يغيب حضورها بل يتحول لصوت داخلي يرافق أبناءها حتى آخر العمر اليوم يقف رضا

البحراوي أمام هذا الفقد كأي ابن كسرته اللحظة لكنه يرفع رأسه احتراما لروح أمه التي قاومت للأيام الأخيرة ويودعها بقلب يعلم أن الجنة تنتظر دعاء كانت تردده كل ليلة وأن رحمتها الآن أكبر من كل ألم عانته في جسدها الضعيف رحم الله فقيدة الرحمة والصبر وجعل صراعها الطويل شاهدا على قوة قلبها ولين روحها وجعل عزاء ابنها والفنان رضا البحراوي وجمهوره ومحبيه أن الأم لم ترحل

حقا بل بقيت بما منحته من حب وصبر وقوة بقيت في دعائها الذي لم ينقطع وفي آثار الخير التي زرعتها دون أن تطلب شكرا من أحد بقيت لأن الأمهات لا يغادرننا أبدا بل ينتقلن فقط من بين أيدينا إلى رحمة الله الواسعة التي لا يحد

ها وصف ولا نهاية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى