أخبار مصر

القرن الإفريقي على صفيح ساخن : سقوط الأقنعة واقتراب ساعة الحسم الإقليمي

القرن الإفريقي على صفيح ساخن : سقوط الأقنعة واقتراب ساعة الحسم الإقليمي

بقلم : يوحنا عزمي

تتداول كواليس السياسة الإقليمية أنباء غير مؤكدة عن تعرض الشيخ محمد بن زايد لجلطة دماغية ، وهي أنباء ـ إن صحت ـ تأتي في لحظة شديدة الحساسية ، لحظة تتقاطع فيها مسارات صراع معقدة وتتحرك فيها خرائط النفوذ بسرعة غير مسبوقة ، خصوصاً مع تبلور تنسيق متقدم بين مصر وتركيا والسعودية ، وهو تنسيق بدأ يوجه ضربات إستراتيجية موجعة لمغامرات إثيوبيا والإمارات وإسرائيل في القارة الإفريقية ، لا سيما بعد أن قرر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد التصعيد بخطاب توسعي غير مسبوق، متحدثاً عن حق بلاده في الوصول إلى البحر الأحمر ولو بالقوة ، في مشهد يعيد إلى الأذهان أوهام الإمبراطوريات الغابرة ويهدد بإشعال المنطقة بأسرها.

نحن أمام لحظة تاريخية فارقة تتهاوى فيها حسابات باع فيها
بعض الفاعلين أمن الإقليم على موائد المصالح الضيقة ، وتتقاطع فيها خيوط عديدة تتحرك في الخلفية في وقت واحد.

لفهم الصورة كاملة ، لا بد من الابتعاد قليلًا عن التفاصيل اليومية والنظر إلى الخريطة من أعلى ، حيث تظهر العلاقات بين الأحداث أوضح ، ويتبين اتجاه الرياح.

خلال أيام قليلة ، تزامنت زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى إثيوبيا مع زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات ، في تحرك بدا كأنه الفرصة الأخيرة لإعادة ضبط الإيقاع ووقف اندفاعة سياسات عدائية باتت تهدد بتفجير الإقليم ، قبل أن تنزلق الأمور إلى مسار يصعب احتواؤه.

في الخلفية ، كانت تقارير إعلامية دولية قد ألقت حجراً ثقيلًا في مياه راكدة ، إذ كشفت رويترز عن وجود معسكر سري في منطقة بني شنقول ، على مقربة من سد النهضة، يُدرب فيه آلاف المقاتلين التابعين لقوات الدعم السريع المتورطة في حرب السودان، بتمويل إماراتي وعلى أرض إثيوبية. هذا المعطى، إن جُمع مع غيره، يكشف شبكة مصالح متداخلة : إثيوبيا تبحث عن كسر طوق الجغرافيا وفرض واقع جديد جنوباً ، والإمارات تسعى للسيطرة على الموانئ والموارد ، بينما تجد إسرائيل في الفوضى الناتجة فرصة ذهبية لإعادة تشكيل موازين القوى وتهديد الأمن القومي العربي من خاصرته الإفريقية.

تتضح الصورة أكثر إذا نظرنا إلى مسار الصومال ومحاولات
تفكيكه عبر دعم انفصال إقليم صوماليلاند ، وإلى ما جرى في
اليمن من محاولات مماثلة للسيطرة على موانئ خليج عدن والتحكم في بوابة البحر الأحمر. هذه التحركات ، على اختلاف ساحاتها ، تصب في مجرى واحد يخدم مشروعاً أوسع يسعى إلى إنهاك الدول العربية الكبرى وإغراق المنطقة في صراعات متزامنة. غير أن الجديد هذه المرة هو أن هذا المسار لم يعد بلا مقاومة ؛ فهناك محور يتشكل بهدوء وثبات ، يضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، ويعمل على إفشال تلك المخططات عبر أدوات عسكرية ودبلوماسية واستخباراتية متوازية.

على الأرض، عززت تركيا حضورها في الصومال عبر قواعد تدريب متقدمة ودعم عسكري نوعي ، في حين تحركت مصر لأول مرة
منذ عقود بثقل عسكري ودبلوماسي واضح في القرن الإفريقي، ليس فقط عبر دعم الصومال والسودان ، بل أيضاً من خلال بناء تفاهمات إقليمية مع إريتريا وجيبوتي لقطع الطريق على أي تمدد إثيوبي متهور. وفي الوقت ذاته ، أعادت السعودية ترتيب أوراقها في اليمن، ونجحت في تقويض نفوذ حلفائها السابقين هناك، لتغلق واحدة من أخطر الثغرات على باب البحر الأحمر.

هذا الحراك المتزامن لم يكن معزولًا عن مسار دبلوماسي موازٍ
حاول احتواء التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة. من هنا جاءت الزيارات الرسمية والتحذيرات المباشرة، التي حملت رسائل واضحة بأن الاستمرار في الرهان على تحالفات خارجية لن يوفر حماية حقيقية ، وأن الإصرار على سياسات فرض الأمر الواقع قد يقود إلى تفكك الدول بدلًا من توسيع نفوذها.

غير أن خطاب آبي أحمد الأخير ، الذي تحدث فيه عن الوصول
إلى البحر باعتباره مسألة وجودية ، كشف عن تجاهل صارخ لتعقيدات الداخل الإثيوبي المثقل بصراعات لم تندمل بعد وعن استخفاف بمخاطر فتح جبهات جديدة في إقليم ملتهب.

في هذا السياق المشحون ، جاء إلغاء زيارة الرئيس التركي
رجب طيب أردوغان إلى الإمارات ، مع تسريبات عن وعكة
صحية خطيرة أصابت محمد بن زايد ، ليضيف طبقة أخرى
من الغموض إلى المشهد. فحتى إن لم تتأكد تلك الأنباء ، فإن توقيتها يعكس حجم الضغط المتراكم على صناع القرار الذين يجدون أنفسهم أمام حسابات تتهاوى وخيارات تضيق.

الخلاصة أن المنطقة تقف عند مفترق طرق حاسم ؛ إثيوبيا والإمارات تواجهان ضغوطًا متزايدة من محيطهما، والمشاريع
التي راهنت عليها إسرائيل لسنوات تصطدم لأول مرة بمحور إقليمي منسق يمتلك أدوات الردع والتأثير. إنها لحظة يعاد فيها رسم خطوط القوة ، وتُختبر فيها قدرة السياسة على تجنب حرب واسعة قد تحرق الجميع. الأمل أن ينتصر صوت العقل ، لأن كلفة الاشتعال هذه المرة لن تكون محلية ، بل ستطال الإقليم بأسره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى