منوعات

الحد الأدنى للأجور… والفرق اللي اختفى

الحد الأدنى للأجور… والفرق اللي اختفى

 بقلم: د. كريم ابوعيش

الحد الأدنى للأجور ليس رفاهية بل حق طبيعي لأي إنسان يعمل ويجتهد. من حقه أن يعيش حياة مستورة لا يقضيها في صراع يومي بين دخل لا يكفي ومتطلبات لا تنتهي. وقرار رفع الحد الأدنى إلى 8 آلاف جنيه خطوة مهمة حتى لو لم تُرضِ الجميع فهي في النهاية مرتبطة بقدرة الدولة. لكن المشكلة ليست في الرقم نفسه بل في الإحساس الذي يتركه هذا الرقم لدى الناس.

لأن العدل حين يأتي ناقصًا يكون أقسى من الظلم الواضح. فالظلم قد يثير الغضب لكن العدل الناقص يقتل الإحساس بقيمة الإنسان ويجعله يتساءل بصمت عن جدوى كل ما بذله.

كيف يمكن أن نقنع موظفًا قضى عشر سنوات من عمره في عمله يتحمل ضغطه ويقبل بزيادات بسيطة عامًا بعد عام حتى يصل راتبه إلى 8 آلاف جنيه أنه أصبح فجأة في نفس النقطة التي يبدأ منها موظف جديد لم يخض نفس الطريق ولم يتحمل نفس الظروف؟

المشهد يتكرر في أكثر من مكان. موظف بدأ براتب بسيط وصبر وتدرّج وكان دائمًا يقنع نفسه أن السنوات ستصنع له فارقًا وأن تعبه لن يضيع. وبعد رحلة طويلة يصل إلى رقم كان يراه إنجازًا ثم يكتشف أن هذا الإنجاز أصبح مجرد نقطة بداية لغيره في نفس المكان وربما على نفس المكتب.

موظف بيبص في كشف مرتبه ويكتشف إن الفرق بينه وبين حد لسه داخل… اختفى تقريبًا.

هنا لا تكون المشكلة في حصول الموظف الجديد على حقه فذلك أمر لا خلاف عليه. لكن السؤال الحقيقي: أين ذهب حق من صبر؟ وأين قيمة السنوات التي قضاها؟ وأين معنى التدرّج الذي يفترض أن يميز بين الناس؟

حين تختفي الفروق لا تتحقق العدالة بل يضيع معناها. لأن العدالة لا تعني أن يحصل الجميع على نفس الشيء بل أن يحصل كل إنسان على ما يستحقه وفقًا لما قدّمه. وإلا أصبح الجهد بلا قيمة والصبر بلا مقابل.

الأخطر من ذلك أن هذا الشعور لا يتوقف عند حدود الراتب بل يمتد ليصيب الدافع نفسه. فالمجتهد حين يشعر أنه لا فرق بينه وبين غيره سيتوقف تدريجيًا عن بذل نفس الجهد وسيتحول العمل من فرصة للتقدم إلى مجرد التزام يؤديه بلا روح. وهنا تبدأ خسارة حقيقية لا تظهر في الأرقام لكنها تظهر في أداء الناس وإحساسهم.

رفع الحد الأدنى للأجور خطوة مطلوبة لكن الحفاظ على الفروق بين من بدأ اليوم ومن قضى سنوات ليس ترفًا بل ضرورة. لأن الفارق ليس ظلمًا بل هو التقدير الطبيعي لمن تعب واستمر.

لأن العدل لما ما يفرّقش بين اللي بدأ… واللي استحمل، ما يبقاش عدل… حتى لو الأرقام قالت غير كده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى