عربي و دولي

ما بعد فنزويلا : لماذا تتحرك العاصفة نحو العالم العربي؟

ما بعد فنزويلا : لماذا تتحرك العاصفة نحو العالم العربي؟

بقلم : يوحنا عزمي

تتحرك الأحداث حولنا بوتيرة غير مسبوقة ، كأن التاريخ يعيد ترتيب نفسه من جديد ، بينما العالم العربي يقف في قلب منطقة شديدة الهدوء ؛ ذلك النوع من الهدوء الذي يسبق الانفجارات الكبرى. ما حدث في فنزويلا لم يكن مجرد إنقلاب أو عملية عسكرية خارجة عن السياق ، بل كان نموذجاً مصغراً لنسخة أكبر بكثير ستتوجه نحو منطقتنا ، وكأن ما جرى هناك كان بروفة بالذخيرة الحية لرسم ما سيجري هنا.

القوى الكبرى لم تعد تتعامل مع خريطة الشرق الأوسط باعتبارها ثابتة أو مستقرة ، بل كأنها ورقة قابلة للمسح وإعادة الرسم، فيما تبدو المنطقة كلها مهيأة لتصبح مسرحاً لتصفية الحسابات بين أقطاب العالم ، دون أن يخرج أحد منها بلا خسائر.

لفهم ما يجري ، لا يكفي النظر إلى السطح أو قراءة الأحداث كما تُعرض في الأخبار. فالقصة ليست سقوط أنظمة أو تغيير رؤساء أو صراع على ذهب ونفط. المسألة أعمق بكثير. نحن نعيش بدايات حرب عالمية جديدة ، لكنها ليست حرباً معلنة بمدافع وجيوش تتحرك على الجبهات كما كان الحال في الماضي ، وإنما حرب مركبة تتخذ أشكالًا اقتصادية وسياسية وأمنية ، تتداخل فيها ساحات القتال من شرق آسيا حتى الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.

الولايات المتحدة تحت قيادة دونالد ترامب لا تتحرك بدافع
الانتقام ولا تحت شعار حماية الديمقراطية ولا حتى بدافع
تأمين إسرائيل. الأمر أبسط وأكثر براغماتية : هناك قوة صينية عملاقة تتقدم بسرعة وتكسر الأسس التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. فبعد أن ورثت واشنطن
نفوذ أوروبا المنهكة ، صعدت كإمبراطورية عالمية تعتمد على الاقتصاد القوي، وسلاسل الإمداد المسيطر عليها، ونظام الطاقة المرتبط بالـ«بترو دولار». لكن صعود الصين بهذا الشكل الكاسح وضع هذه الهيمنة على المحك.

الصين لم تعد منافساً اقتصادياً عابراً ، بل أصبحت مركز الإنتاج الدولي ، ومصدر المعادن النادرة التي لا غنى عنها في الصناعات التكنولوجية ، وأضخم مشترٍ للطاقة في العالم. يكفي أنها تستورد أكثر من 11 مليون برميل نفط يوميًا لتغذية اقتصاد يحتاج كميات هائلة من الوقود كي يستمر في العمل والتمدد ، فضلًا عن سعيها لرفع احتياطياتها النفطية إلى مليار برميل. وهذا التوسع الهائل جعل من الصين تهديداً مباشراً للنظام الاقتصادي الذي يعتمد عليه الدولار، خاصة مع اتجاه بكين لشراء الذهب بكثافة والانضمام إلى تحالفات مثل البريكس لتقليل اعتمادها على العملة الأمريكية.

هذا التغيير بالنسبة لواشنطن ليس تحدياً اقتصادياً فقط ، بل
تهديد وجودي. حرب مباشرة مع الصين مستحيلة لأنها ستكون حرباً نووية شاملة. لذلك لجأت الولايات المتحدة إلى استراتيجية الحرب غير المباشرة، القادرة على خنق الصين اقتصادياً دون إطلاق رصاصة عليها.

من هنا نفهم لماذا كانت فنزويلا خطوة أولى. فالسيطرة على كاراكاس لم تكن مجرد رغبة في الاستحواذ على النفط ، وإنما
كانت ضربة موجعة للصين التي تعتمد على نسبة مهمة من
وارداتها النفطية من فنزويلا ، إضافة إلى وقف تسديد الديون الصينية هناك. بالتوازي ، بدأت الولايات المتحدة تأمين نفسها
كلياً عبر النفط المحلي واحتياطاتها الهائلة ، بحيث تصبح في
مأمن إذا اشتعل الشرق الأوسط ، أو إذا تعرضت طرق الطاقة العالمية لتوقف مفاجئ.

الخطوة التالية على رقعة الشطرنج هي إيران. فتهديدها، وضرب نفوذها، وتحريك الاضطرابات داخلها، ليس فقط دفاعاً عن إسرائيل، بل لأن إيران تمثل شرياناً مهماً للصين ، سواء عبر صادراتها النفطية المباشرة أو عبر سيطرتها على مضيق هرمز الذي تمر منه نصف شحنات الطاقة المتجهة إلى الشرق. أي اضطراب هناك—even ليوم واحد ـ يعني ضربة مباشرة لاقتصاد بكين ، وتأخيرًا في الشحن والتجارة العالمية ، وارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة.

ومع احتمالية إندلاع صراع كبير في الشرق الأوسط ، وإغلاق
مضيق هرمز جزئياً أو كلياً ، ستكون الصين أول المتضررين بينما تكون أمريكا قد أمنت مصادر طاقتها بالفعل. حتى ورقة المعادن النادرة التي تمسك بها بكين ، بدأت واشنطن في تطويقها عبر خطط السيطرة على غرينلاند ، التي تحتوي على مخزون ضخم من المعادن الاستراتيجية.

عند جمع كل القطع ، نجد أنفسنا أمام صورة عالم ينساق تدريجياً نحو حرب عالمية ثالثة ، حتى وإن لم يسمها أحد بصوت عالٍ. روسيا تُستنزف في أوكرانيا أمام دعم غربي غير محدود. إسرائيل تتوسع في المنطقة تحت ستار الصراعات الإقليمية. الخليج يعيش سباقاً على النفوذ. إيران تحرك أطرافها المسلحة في اتجاهات مختلفة. أمريكا تخوض حروباً اقتصادية وعسكرية غير مباشرة. والصين تستعد لحرب محتملة على تايوان.

كل هذه المشاهد ليست سوى مقدمات تُشبه إلى حد كبير السنوات التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية. الشرق الأوسط اليوم يقف في قلب هذه الدوامة ، وسط قوى كبرى تتصارع فوق أرضه لا عليه فقط ، بينما المنطقة تفتقد القرار المستقل القادر على حماية مصالحها. ما سيحدث في الأيام المقبلة لن يكون معزولًا عن هذه الصورة ، بل جزءًا منها ، وربما يكون أثقل مراحلها.

هذه ليست نهاية التحليل ، بل بدايته. القادم أعقد ، والضباب الذي يلف المنطقة يخفي أحداثاً أكبر مما يظهر. وفي مقالات لاحقة سنكشف ما ينتظر العالم العربي بالتحديد في هذا المسار العالمي المتوتر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى