فاطمة القصاص تكتب.. حين ترى الأصابع ما تعجز عنه العيون
في كل مرة التقيت فيها بشخص كفيف يتحدث عن كتاب أحبه، أدركت أن العجز الحقيقي لا يكمن في فقدان البصر، بل في حرمان الإنسان من حقه في المعرفة، القراءة بالنسبة لذوي الإعاقة البصرية لم تكن يوما ترفا ثقافيا، بل معركة يومية ضد قوانين وإجراءات حجبت عنهم الكلمة المكتوبة.
الأوساط الثقافية والحقوقية تحتفل في يناير من كل عام باليوم العالمي لطريقة “برايل”، تلك اللغة التي منحت الملايين من ذوي الإعاقة البصرية مفاتيح المعرفة، ومع حلول عام 2026، يكتسب هذا الاحتفال صبغة حقوقية وقانونية دولية مع التوسع في تفعيل “معاهدة مراكش”، التي أحدثت ثورة في مفهوم الملكية الفكرية من خلال تغليب حق الوصول إلى المعرفة على القيود التقليدية لحقوق التأليف والنشر.
لقد عانى الأشخاص ذوو الإعاقة البصرية طويلا مما يعرف بـ “المجاعة القرائية”، حيث كانت القوانين الصارمة للملكية الفكرية تحول دون تحويل الكتب والمصنفات الأدبية إلى نسخ بطريقة “برايل” أو صيغ رقمية ميسرة دون إجراءات قانونية معقدة وموافقة الناشرين، إلا أن معاهدة مراكش جاءت لتضع حدا لهذا العائق، فارضة استثناءات قانونية تتيح للمؤسسات المجتمعية والثقافية إنتاج وتوزيع نسخ ميسرة من التراث المكتوب دون الحاجة لإذن المؤلف، شريطة أن يتم ذلك حصرياً لخدمة هذه الفئة.
إن التوجه الحالي في عام 2026 نحو رقمنة التراث وتحويله إلى صيغ تفاعلية ونقاط بارزة يعكس إيمانا حقيقيا بأن البصيرة لا ترتبط بالبصر، وأن الثقافة حق أصيل لا ينبغي أن يقف في وجهه أي عائق مادي، فلم يعد تحويل رواية كلاسيكية أو وثيقة تاريخية إلى “برايل” مجرد عمل خيري، بل أصبح التزاما قانونيا وإنسانيا يضمن تكافؤ الفرص في نيل المعرفة واستكشاف كنوز الحضارة الإنسانية،
إن هذه الموازنة بين حماية إبداع المؤلف وضمان حق الكفيف في الاطلاع تفتح آفاقا جديدة للمكتبات الرقمية والمتاحف الافتراضية، التي باتت اليوم مطالبة بتقديم محتواها بلغة النقاط البارزة. فالمجتمع الذي يسعى للنهضة هو الذي لا يترك أحداً خلف الركب، وهو الذي يؤمن بأن إتاحة التراث بمختلف الوسائل هو الاستثمار الأبقى في العقل البشري، لتظل طريقة “برايل” دائما نبراسا يضيء دروب المعرفة لكل من يمتلك شغف القراءة والإطلاع