بوصفي باحثة في التراث، لطالما آمنت بأن الحفاظ على الذاكرة الحضارية لا يتحقق فقط عبر الحفائر والدراسات الاكاديمية، بل ايضا من خلال السرد البصري القادر على مخاطبة الوجدان العالمي، ومن هذا المنطلق، جاء فيلم الرجل ذو القبعة كعمل يتجاوز التوثيق التقليدي، ليعيد تقديم علم المصريات بوصفه رسالة ثقافية حية، تحمل في طياتها مسؤولية الدفاع عن الهوية المصرية، وربط الماضي بالحاضر بلغة يفهمها العالم.
فقد شهد المسرح الكبير بالمتحف القومي للحضارة المصرية عرض الفيلم الوثائقي العالمي الرجل ذو القبعة The Man with the Hat، وذلك بحضور نخبة من المثقفين والشخصيات العامة ونجوم المجتمع. ويأتي الفيلم كتوثيق بصري لمسيرة الدكتور زاهي حواس، أحد أبرز علماء المصريات في العصر الحديث، في عمل سينمائي يتجاوز حدود السيرة الذاتية إلى تقديم رسالة حضارية عن مصر.
ويعد الفيلم ثالث عمل دولي يتناول مسيرة حواس، بعد فيلم ملك الأهرامات الذي عرضته ناشيونال جيوغرافيك، والفيلم الايطالي المصري، حيث يقدم رؤية شاملة لمسيرته العلمية والانسانية، مسلطا الضوء على اهم محطات رحلته المهنية، وكواليس شغفه بعلم الاثار المصرية.
يرصد الفيلم نشأة زاهي حواس في قرية صغيرة بمحافظة دمياط، وبداياته البعيدة عن مجال الاثار، قبل ان تتجه بوصلته لدراسة الحضارات اليونانية والرومانية، ومنها إلى عالم الاثار المصرية القديمة. ويوثق العمل مسار تطوره المهني من موظف بمصلحة الاثار إلى شخصية عالمية صنفتها مجلة تايم ضمن اكثر مئة شخصية تأثيرا في العالم.
كما يتناول الفيلم دلالة القبعة التي ارتبطت باسمه، والتي تحولت إلى رمز عالمي، رافقته في اهم مواقع الحفائر، من سقارة إلى وادي الملوك، حيث يقدم حواس رؤيته للاثار باعتبارها سجلا حيا للتاريخ وليست مجرد شواهد صامتة.
يستعرض الفيلم عددا من الاكتشافات التي شكلت علامات فارقة في علم المصريات، وفي مقدمتها اكتشاف مقابر عمال بناة الاهرامات، الذي غير المفاهيم السائدة حول بناء الاهرامات، مؤكدا ان المصريين القدماء شيدوا حضارتهم بالانتماء وليس بالسخرة.
كما يسلط الضوء على مشروعاته البحثية المتعلقة بدراسة المومياوات الملكية باستخدام التقنيات الحديثة، من الاشعة المقطعية وتحليل الحمض النووي، والتي اسفرت عن كشف ملابسات وفاة الملك توت عنخ آمون، وحقيقة مؤامرة الحريم ضد الملك رمسيس الثالث، إلى جانب اكتشاف المدينة الذهبية المفقودة بمدينة الاقصر.
لا يقدم الرجل ذو القبعة مجرد توثيق لشخصية علمية، بل يحمل رسالة حضارية تبرز عظمة الحضارة المصرية، من خلال استعراض اكتشافات اثرية لاقت اهتماما عالميا. ويعزز الفيلم طابعه الدولي بمشاركة عدد من علماء الاثار والباحثين الاجانب، الذين تناولوا ظاهرة زاهي حواس ودوره في تسويق الحضارة المصرية عالميا بأسلوب يجمع بين الصرامة العلمية والطرح الاعلامي الجاذب.
ويؤكد العمل على دور المدرسة المصرية للاثار في اعداد كوادر وطنية قادرة على حماية التراث الحضاري، مقدما مصر للعالم كمركز للعلم والثقافة، وليس فقط كوجهة سياحية.
وخرج العرض في صورة تنظيمية متميزة، بفضل التعاون بين ادارة المتحف القومي للحضارة المصرية برئاسة الدكتور الطيب عباس والدكتورة نشوى جابر، وفريق شباب مؤسسة زاهي حواس للاثار والتراث، تحت اشراف المدير التنفيذي للمؤسسة الدكتور علي ابو دشيش.
وقد عكس التنظيم احترافية عالية وروحا شبابية واعية برسالة المؤسسة في الحفاظ على الهوية المصرية، مؤكدين ان مسيرة الرجل ذو القبعة ستظل ممتدة عبر اجيال جديدة تؤمن بان حضارة مصر مسؤولية وطنية في المقام الاول.